صبحي شبانة
في حروب الشرق الأوسط تتغيَّر الجبهات، وتتبدل الشعارات، ويغيب لاعبون ويظهر آخرون، لكن سؤالاً واحداً يظل حاضراً في خلفية المشهد، ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من هذه المنطقة؟ في كل مرة تشتعل فيها النار بين دولتين تتجه الأنظار إلى واشنطن، لا لأنها الأكثر تضرراً من الحروب، ولا لأنها الأقرب إلى ساحاتها، بل لأنها لا تزال تمتلك القدرة على التأثير في ضبط مساراتها ونهاياتها، غير أن المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل أعادت طرح السؤال بصورة أكثر إلحاحاً، فقد بدا أن الولايات المتحدة لا تبحث عن نصر حاسم لأحد، بقدر ما تسعى إلى إبقاء الصراع تحت السيطرة، عند مستوى يسمح بإدارة الأزمة من دون إغلاق ملفاتها نهائياً.
لقد اعتادت المنطقة على أمريكا التي تصنع المنعطفات الكبرى، لكن أمريكا اليوم تبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الصراعات لا حسمها، وإلى إدارة الأزمات لا إنهائها، وهي سياسة تمنحها نفوذاً دائماً بأقل كلفة ممكنة، لكنها تترك الشرق الأوسط معلقاً بين هدنة مؤقتة وحرب مؤجلة، وبين تسوية ناقصة وانفجار ينتظر لحظته المناسبة، هذه المقاربة ليست جديدة تماماً، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، فالولايات المتحدة تبدو حريصة على إبقاء بؤر التوتر قائمة بدرجات متفاوتة، بحيث تبقى القوى الإقليمية بحاجة إلى أمريكا، فيما تظل واشنطن صاحبة الكلمة الفصل في إدارة إيقاع التصعيد والتهدئة، حيث يتحول الأمن إلى سلعة سياسية تدار وفق المصالح الأمريكية المتغيرة أكثر من ارتباطها بالتزامات ثابتة تجاه فرض الاستقرار.
لقد أثبتت أحداث السنوات الماضية أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والتردد في التعامل مع العديد من الأزمات الإقليمية، والتقلبات المستمرة في مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، كلها مؤشرات على أن مفهوم الضمانات الأمنية التقليدية لم يعد كما كان، ورغم ذلك يبقى هناك استثناء واضح في الحسابات الأمريكية يتمثل في أمن إسرائيل، فهذا الملف لا يزال يمثِّل الثابت الوحيد والأكثر رسوخاً في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، قد تختلف الإدارات في أساليبها وأولوياتها، وقد تتغيَّر السياسات التكتيكية من رئيس إلى آخر، لكن حماية إسرائيل والحفاظ على تفوقها النوعي تبقى نقطة إجماع داخل المؤسسات الأمريكية السياسية والعسكرية والأمنية، ومن هنا يمكن فهم الكثير من السلوك الأمريكي خلال المواجهات الأخيرة، فواشنطن لا تريد حرباً إقليمية واسعة النطاق قد تهدد مصالحها الاقتصادية والعسكرية وتربك أولوياتها العالمية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح بأي تطور يخل بصورة الردع الإسرائيلية أو يضعف مكانة إسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، لذلك تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تسير على خيط رفيع بين دعم إسرائيل ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
ومن هذا المنطلق، جاءت التحركات الدبلوماسية السعودية المكثفة خلال الأزمة الأخيرة، فقد تحركت الرياض على أكثر من محور، وفعّلت اتصالاتها مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن منع توسع الصراع يمثل أولوية إستراتيجية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، فاندلاع حرب إقليمية واسعة لن يهدد أمن الخليج وحده، بل سيؤثر على الاقتصاد العالمي، وسلاسل إمداد الطاقة، وحركة التجارة الدولية، ويخلق موجات جديدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
وقد أظهرت هذه التحركات قدرة المملكة على ممارسة دور سياسي يتجاوز حدود ثقلها الاقتصادي التقليدي، فالسعودية اليوم ليست مجرد لاعب إقليمي مهم، بل أصبحت مركزاً رئيسياً لصياغة المعادلات السياسية و إدارة التحركات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، كما أن شبكة علاقاتها الدولية المتنامية مع القوى الكبرى، شرقاً وغرباً، منحتها هامش حركة أوسع وقدرة أكبر على التأثير في مسارات الأزمات.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن جزءاً مهماً من الضغوط الدولية التي دفعت نحو ضبط النفس وتجنب الانفجار الشامل ومن ثم الاتفاق بين أمريكا وإيران لوقف الحرب ارتبط بالحراك السياسي والدبلوماسي الذي قادته الرياض بالتنسيق مع عدد من العواصم المؤثرة، فالرسالة السعودية كانت واضحة، المنطقة لا تحتمل حرباً جديدة، وأي مغامرة عسكرية واسعة ستؤدي حتما إلى نتائج كارثية على الجميع، الأهم من ذلك أن السعودية نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ نموذج مختلف لإدارة النفوذ الإقليمي، فبينما لا تزال بعض القوى تعتمد على أدوات الصراع والصدام المباشر، اختارت المملكة الاستثمار في التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية الكبرى، ورؤية المملكة 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016م، ليست مجرد مشروع اقتصادي داخلي فحسب، بل هي أيضاً إطار إستراتيجي يعكس رؤية جديدة لموقع المملكة ودورها في المنطقة والعالم، ومن الطبيعي أن تصبح الأولوية السعودية في ظل هذه الرؤية هي حماية الاستقرار الإقليمي، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار والتنمية، لأن الحروب الطويلة والصراعات المفتوحة تتناقض جوهرياً مع متطلبات التحول الاقتصادي الطموح الذي تشهده المملكة، ومع استمرار التغيرات في النظام الدولي، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الاعتماد المطلق على القوى الخارجية، مقابل صعود دور القوى الإقليمية القادرة على إدارة شؤونها بنفسها، وفي هذا المشهد الجديد، تبرز المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان باعتبارها أحد أهم الفاعلين القادرين على بلورة التفاهمات الإقليمية وصياغة المبادرات التي تحول دون انزلاق المنطقة إلى الفوضى.
لقد أثبتت التجربة أن الحروب قد تصنع انتصارات عسكرية مؤقتة، لكنها نادراً ما تنتج استقراراً دائماً، أما الدول التي تفكر بمنطق المستقبل، فإنها تبحث دائماً عن تسويات تحفظ المصالح ، وتؤمن الاستقرار، وتمنع الانهيارات الكبرى، وهذا بالضبط ما يفسر النهج السعودي خلال الأزمة الحالية؛ نهج يقوم على الواقعية السياسية، وإدراك تعقيدات الجغرافيا، وفهم أن المنطقة ستبقى بعد انتهاء الحرب بحاجة إلى التعايش أكثر من حاجتها إلى تسجيل نقاط عابرة في ساحات الصراع، ففي الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً عندما تصمت المدافع، فالكثير من الحرائق يواصل الاشتعال تحت الرماد، والمنطقة التي دفعت أثماناً باهظة للصراعات تعرف جيداً أن المنتصر في المعركة ليس بالضرورة الرابح في اليوم التالي، وأن الخرائط التي ترسمها القوة وحدها كثيراً ما تعجز عن صناعة الاستقرار، لهذا تبدو المملكة العربية السعودية وهي تراقب المشهد من موقع الدولة التي تعيش في المنطقة لا على هامشها، أكثر ميلاً إلى منع الانفجارات الكبرى من البحث عن مكاسب عابرة، فبعد أن تم الاتفاق بين أمريكا وإيران لإيقاف الحرب سيبقى الجيران في أماكنهم، وستبقى الجغرافيا تفرض حقائقها، وستبقى المنطقة مع من يطفئ الحرائق أكثر من حاجتها إلى من يشعلها، لهذا السبب اختارت الرياض أن تستثمر في السياسة بقدر ما تستثمر في التنمية، وأن تراهن على الحوار بقدر ما تراهن على القوة، ففي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتبدل فيه المعدلات وتتراجع فيه الثوابت، قد لا يكون السؤال الحقيقي من ربح هذه الجولة من الحرب، بل من نجح في إبعاد المنطقة عن حافة الانفجار، وترك للأجيال القادمة شرقاً أوسط أقل حروباً وأكثر استقراراً.