د. عبدالمحسن الرحيمي
في مختبر هادئ، تحت ضوء أبيض بارد، يقف باحث أمام شاشة تعرض تتابعًا طويلًا من الحروف: A، T، C، G. لا صوت سوى أزيز الأجهزة، ولا حركة سوى أصابعه وهي تمر على البيانات وكأنه يقرأ نصًا قديمًا كُتب بلغة لا يعرفها إلا القليل. في تلك اللحظة، يبدو الإنسان بسيطًا على نحو مدهش؛ مجرد شيفرة يمكن فكها، ترتيبها، وربما تعديلها. كل شيء يبدو قابلًا للفهم، بل وقابلًا للسيطرة. هنا، في هذا العالم الصغير، تُختزل الحياة إلى نظام، ويُختزل الإنسان إلى احتمال.
ثم، خارج المختبر، في مكان آخر تمامًا، يجلس إنسان وحيد يتساءل عن معنى قراره الذي اتخذه قبل لحظات، قرار لا تفسره الجينات ولا تتنبأ به الخوارزميات. يشعر بثقل المسؤولية، بقلق لا يرتبط بمرض، وبسؤال لا يجد له معادلة. في تلك اللحظة، ينهار وهم الاكتمال العلمي، ويظهر وجه آخر للإنسان لا يمكن عزله أو تحليله بالطريقة نفسها. هنا، لا تعود الحروف الأربع كافية.
بين هذين المشهدين، تتشكل واحدة من أعقد رحلات الفكر الإنساني؛ رحلة تبدأ من البيولوجيا الجزيئية، حيث يُفهم الإنسان كمنظومة دقيقة من التفاعلات، وتنتهي في الفلسفة الوجودية، حيث يُعاد تعريفه ككائن يبحث عن معنى، لا عن تفسير فقط.
هذه الرحلة ليست انتقالًا من علم إلى تأمل، بل هي انكشاف تدريجي لحدود كل منهما، وللحاجة العميقة إلى ما يجمع بينهما.
في لحظةٍ ما، كان الاعتقاد السائد أن التقدم العلمي سيقودنا إلى فهم كامل للإنسان، وأننا كلما تعمقنا في الجينوم، اقتربنا من الإجابة النهائية. ومع كل اكتشاف جديد، كان هذا الاعتقاد يزداد قوة، حتى بدا وكأننا على وشك الوصول إلى لحظة يُختزل فيها الإنسان بالكامل إلى بيانات. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا؛ فكلما ازداد وضوح البناء البيولوجي، ازداد غموض التجربة الإنسانية. لم تختفِ الأسئلة، بل تغيرت طبيعتها، وانتقلت من “كيف يعمل الإنسان” إلى “لماذا يعيش بهذه الطريقة”.
في أحد الممرات الطويلة في مستشفى حديث، تمر ممرضة بجانب مريض يتلقى علاجًا متقدمًا صُمم بناءً على تحليله الجيني. كل شيء في هذا العلاج دقيق، محسوب، ومبني على أحدث ما وصل إليه العلم. ومع ذلك، ينظر المريض إلى السقف، غارقًا في أفكار لا علاقة لها بالخلايا أو الجينات، بل بحياته، بخياراته، وبما كان يمكن أن يكونه. في تلك اللحظة، يتجاور العالمان دون أن يلتقيا؛ عالم يشرح، وعالم يبحث عن معنى.
هذا التوازي ليس خللًا، بل هو طبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان لا يعيش فقط ككائن بيولوجي، بل ككائن واعٍ بتجربته، قادر على تجاوز ما تفرضه عليه بنيته، وقادر على اتخاذ قرارات لا يمكن التنبؤ بها بالكامل. هنا، تظهر الفلسفة الوجودية ليس كترف فكري، بل كضرورة لفهم ما لا يستطيع العلم قياسه. إنها لا تنفي البيولوجيا، لكنها ترفض أن تكون هي الكلمة الأخيرة.
في قاعة محاضرات حديثة، يعرض أستاذ شاب نموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي قادرًا على التنبؤ بالسلوك البشري بدقة عالية. يشرح كيف يمكن للبيانات أن تكشف الأنماط، وكيف يمكن للخوارزميات أن تتعلم وتتكيف. الحضور منبهر، والأسئلة تتدفق، لكن في زاوية القاعة، يجلس طالب صامت يفكر في شيء آخر تمامًا: إذا كان كل شيء قابلًا للتنبؤ، فأين تكمن حريته؟ وإذا كانت قراراته مجرد مخرجات لنظام معقد، فما معنى أن يختار؟
هذا السؤال، رغم بساطته، يكشف عن فجوة لا يمكن ردمها بسهولة. فمهما تطورت النماذج، ومهما ازدادت دقة التنبؤات، يبقى هناك عنصر لا يمكن احتواؤه بالكامل؛ لحظة القرار التي تنفلت من كل حساب، والإحساس الداخلي الذي لا يُختزل في بيانات. هذه ليست مشكلة تقنية يمكن حلها، بل حدّ فلسفي يعيد تعريف ما يمكن للعلم أن يفعله وما لا يمكنه الوصول إليه.
في زمن تتسارع فيه الاكتشافات، ويُعاد فيه تشكيل حدود الممكن، يصبح الخطر الحقيقي ليس في ما نجهله، بل في ما نظن أننا فهمناه بالكامل. حين نعتقد أن الإنسان يمكن اختزاله إلى جيناته، أو إلى خوارزميات تتنبأ بسلوكه، فإننا لا نقلل من تعقيده فقط، بل نفقد القدرة على فهم ما يجعله إنسانًا في المقام الأول. فالمعنى لا يُستخرج من الشيفرة، بل يُبنى من التجربة، والحرية لا تُقاس بالدقة، بل بالقدرة على الاختيار رغم كل ما هو معروف.
في شارع مزدحم، يسير إنسان بين الناس، يحمل في داخله تاريخًا جينيًا معقدًا، ومعه شبكة من التأثيرات الاجتماعية والمعرفية، لكنه في تلك اللحظة يقرر أن يغير مساره، أن يتوقف، أو أن يبدأ شيئًا جديدًا. هذا القرار البسيط، الذي يبدو عابرًا، هو في الحقيقة تعبير عن شيء لا يمكن اختزاله؛ عن قدرة الإنسان على أن يكون أكثر من مجموع أجزائه، وأكثر من نتائج تفاعلاته.
وهنا، تتضح ملامح نموذج جديد للإنسان، نموذج لا يرفض العلم ولا يكتفي به، ولا يغرق في الفلسفة دون أن يستند إلى معرفة، بل يقف في المسافة بينهما، حيث تتحول المعرفة إلى وعي، وتتحول القدرة إلى مسؤولية. هذا الإنسان لا يرى الجينوم كنهاية، بل كبداية، ولا يرى الذكاء الاصطناعي كبديل، بل كأداة، ولا يرى الفلسفة كملاذ، بل كإطار يوجه ما يمكن أن نصبحه.
في النهاية، لا تعود الرحلة من البيولوجيا الجزيئية إلى الفلسفة الوجودية مجرد انتقال بين مجالين، بل تصبح رحلة داخل الإنسان نفسه، من محاولة فهم ما هو عليه، إلى إدراك ما يمكن أن يكونه. وبين الشيفرة والمعنى، وبين التفسير والاختيار، يتشكل السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبلنا، ليس فقط كأفراد، بل كحضارة كاملة: هل سنكتفي بفهم الإنسان، أم سنسعى إلى أن نكون على مستوى هذا الفهم؟
في تلك اللحظة التي نقف فيها بين ما نعرفه وما نشعر به، بين ما يمكن قياسه وما لا يمكن التعبير عنه بسهولة، ندرك أن الإنسان لم يكن يومًا مجرد نتيجة، بل كان دائمًا بداية مفتوحة، مشروعًا لا يكتمل، وقصة لا تُختصر في أي شيفرة مهما بلغت دقتها.