د. سجى عارف
رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها مؤسساتنا الإعلامية الوطنية إلا أن غياب معيار وطني موحَّد لقياس الجاهزية المستقبلية يجعل التطور مرهونًا باجتهادات فردية لا ترتقي إلى مستوى الطموح الوطني، لذا تبرز الحاجة إلى مؤشر وطني لقياس جاهزية المستقبل للمؤسسات الإعلامية في المملكة، مؤشر علمي شفاف قابل للقياس ويستند إلى أفضل التجارب الدولية، لكنه ينطلق من واقعنا ويخدم أهدافنا، مؤشر لا يكتفي برصد الأداء، بل يوجه السياسات ويحفز المنافسة الإيجابية، ويكشف الفجوات ويقترح الحلول، ويمنح صانع القرار صورة دقيقة عن موقع الإعلام السعودي في مسار التحول العالمي.
يقيس هذا المؤشر ستة محاور رئيسية: التحول الرقمي، الابتكار الإعلامي، جودة المحتوى، الحوكمة والشفافية، الاستدامة المؤسسية، والذكاء الاصطناعي. وهي محاور لا يمكن لأي مؤسسة إعلامية أن تتقدم دون تحقيق توازن بينها، فالتحول الرقمي بلا محتوى رصين لا يصنع تأثيرًا، والابتكار بلا حوكمة يتحول إلى فوضى، والذكاء الاصطناعي بلا تدريب واستدامة لا يتجاوز كونه أدوات معطلة.
وللمؤشر مؤتمر سنوي يعلن فيه ترتيب المؤسسات وفقًا لالتزامها بالمعايير، ويحلل الاتجاهات ويقدم التوصيات الوطنية ويدرس الحالات والاستشارات والتوقعات المستقبلية، كما يقدم المؤتمر تقرير المؤشر السنوي بناءً على مؤشرات مدروسة طوال العام مع إطلاق موقعه الخاص الذي يظهر نتائج ربع سنوية مما يسمح للمؤسسات بمتابعة تقدمها قبل إعلان نتائج المؤتمر بشكل علني وشفاف، في ظل اعتبارات ومعايير ثابتة يتم قياسها آليًا دون تدخل يدوي أو أي تلاعب بشري.
إن وجود هذا المؤشر سيمنح المملكة مرجعًا وطنيًا موحدًا لتقييم المؤسسات الإعلامية ومن بحكمها، ويحول التطوير من مبادرات متفرِّقة إلى مشروع وطني متكامل، كما سيتيح للوزارة والهيئات التابعة لها قيادة هذا التحول عبر منصة رقمية تعرض النتائج وتقدم التوصيات، وتتابع التقدم السنوي، وتحول البيانات إلى قرارات.
الأهم من ذلك أن المؤشر لن يكون أداة تقييم فقط، بل أداة تحسين إذ يمكن أن يتبعه برنامج وطني لدعم المؤسسات الأقل جاهزية، وتقديم التدريب، وتطوير السياسات وتقديم المبادرات الداعمة للمؤسسات، وإنشاء مختبرات محتوى، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار.
ومثل هذا المؤشر ليس مشروعًا تنظيميًا فحسب، بل خطوة إستراتيجية تضع إعلام المملكة في موقع الريادة عربيًا، وتمنحه القدرة على المنافسة عالميًا، وتنسجم مع رؤية 2030 التي جعلت التحول الرقمي والابتكار ركيزتين أساسيتين في بناء المستقبل. ولقد آن الأوان أن ننتقل من الحديث عن التطوير إلى قياسه، ومن الاجتهادات الفردية إلى المعايير الوطنية، ومن رد الفعل إلى صناعة المستقبل.