د. أنس عضيبات
يرتكب المرء جناية صامتة بحق نفسه حين يرهن تفاصيله الصغيرة لقرار في يد غيره، ويمضي عمره واقفاً على رصيف الترقب، ينتظر كلمة إنصاف، أو لفتة حب، أو صك اعتراف بوجوده، وفي مقابل هذا الهدر الإنساني، ثمة ترف سري وخيار باذخ لا يتقنه إلا الأقوياء: أن تقرر فجأة ألا تنتظر شيئاً من أحد، فهذا الانعتاق ليس انسحاباً من معركة الحياة، بل هو ذروة الانتصاف للذات، حيث يتحول المرء من مجرد «رد فعل» لخيارات الآخرين، إلى صانع مطلق لسلامه الداخلي، ممتلئاً بنرجسية إيجابية مشروعة ترى في الاكتفاء بالذات قمة الحرية.
إن فخ الانتظار هو المشنقة التي نعلّق عليها حريتنا طواعية؛ فكل توقع نربطه بالآخرين هو تفويض رسمي نمنحه لهم ليعبثوا بمزاجنا اليومي واستقرارنا النفسي، وأما تجرع «شهوة الحرية» فيعني قطع حبال هذا التفويض فوراً، والتحلي بوعي الطيور الجارحة التي لا يعنيها اهتزاز الغصن لأنها لا تثق في الشجرة، بل في أجنحتها، وهنا تولد القوة الاحترافية في إدارة الوجود: أن تمنح العالم فائض حبك ووفرة عطائك، كملكٍ يوزع العطايا، لا كفقير يستجدي على أبواب العلاقات العاطفية والاجتماعية.والحقيقة المرة التي تتطلب شجاعة لمواجهتها، هي أن الخيبات لا تأتي من قسوة البشر، بل تولد من رحم توقعاتنا الساذجة تجاههم، وحين يمتلك المرء جرأة تمزيق «قائمة المطالب» المؤجلة من المحيطين به، يكتشف فجأة أنه تخلص من أوزان ثقيلة كانت تشد روحه إلى الأسفل، وهذا النضج الراديكالي يعيد صياغة المشهد؛ فبدلاً من رؤية الناس عبر مصفاة «ماذا قدموا لنا»، نراهم على حقيقتهم العارية، فنتقبل عيوبهم، ويسقط عتبنا عليهم، وتتحول علاقاتنا إلى مساحات نظيفة خالية من شروط الابتزاز العاطفي المتبادل.وهذه النزعة السيادية في العيش لا تصنع إنساناً بليداً أو متغطرساً، بل على العكس، إنها تصقل الفرسان؛ فالشخص الذي تحرر من أسر الانتظار هو الوحيد القادر على العطاء الهائل دون مقابل، لأنه لا يبني مجده على ردود الأفعال، وإنه يكتب، ويبدع، ويساعد، ويحب، كشلال يتدفق لأن هذه هي طبيعته، دون أن يتوقف ليسأل الصخر إن كان ممتناً للماء. هذه الفروسية تمنح صاحبها حصانة مطلقة ضد الخذلان، وتجعله يسير بين الناس بهيبة من لا يملك أحدٌ مفتاح انكساره أو بهجته.
وفي المحصلة، إن السيادة الحقيقية على الحياة تبدأ حين يتوقف المرء عن طلب شهادات التقدير من عابري السبيل، ويرفض أن يكون كائناً ينتظر التعويض أو المديح ليرمم تصدعاته. عندما تمشي في مناكب هذه الأرض حراً، متخففاً من طفيليات التوقع، تدرك أنك لست بحاجة لأحد ليثبت شرعية وجودك أو يكمل نقصك. المذاق الشهي للحرية هو أن تستيقظ كل صباح، وتنظر في المرآة، لتعرف أنك لست مجرد رقم في حكاية شخص آخر، بل أنت الكاتب، والمخرج، والبطل الأوحد لمصيرك الحر.