رمضان جريدي العنزي
(1)
أصبح البعض يطاردون الكاميرات أكثر مما يطاردون الإخلاص، ويجمعون عبارات المديح والإطراء كما يجمع التاجر أرباحه، ويحسبون أن كثرة التصفيق رفعة، وأن لمعان الأضواء مجد، وأن ضجيج المنصات شهادة صلاح، لكن الحقائق لا تُقاس بعدد المقاطع المصوّرة، ولا بحجم التطبيل والتزمير، ولا بوفرة المادحين حولها، وإنما تُقاس بما تتركه من أثرٍ صالح في القلوب، وما تحمله من صدقٍ مع الله قبل الناس، فما كان لله بقي وإن خفي، وما كان للرياء لمع لحظة ثم انطفأ، كشرارةٍ خدعت الأبصار بوميضها، ثم ابتلعها ظلام النسيان، أما الأعمال التي أُريد بها وجه الله فتبقى خالدة حيةً وإن غابت عن العدسات، وتثمر وإن لم تتحدث عنها المنصات، وحين يُوضع الإنسان في قبره، لن تنفعه صورة، ولن تدافع عنه منصة، ولن يرافقه المصفقون والمطبلون والمزمرون، هناك تسقط الأقنعة، ويتبخر الزيف، ويضمحل النفاق، ولا يبقى إلا عملٌ خالصٌ نجا به صاحبه، أو عملٌ صُنع لأجل الناس فترك صاحبه وحيداً يواجه حقيقة نفسه، مجرداً من كل ثناءٍ كاذب، وتصفيقٍ زائف، ومديحٍ لا يزن جناح بعوضة، ولا يفيد مثقال ذرة.
(2)
التمييز في إجلاس الناس في المجالس آفةٌ تُفسد المودة، وتكشف ضيق الأفق، وتزرع في القلوب شعوراً بالمهانة والإقصاء، فليس الناس بمناصبهم وأموالهم، وإنما بأخلاقهم وقدرهم عند الله، وما أقبح مجلساً يُقرَّب فيه صاحب الجاه، ويُؤخَّر فيه صاحب الفضل، ويُستقبل الغني بالحفاوة، ويُهمَل الفقير وكأنه لا يُرى، فذلك ليس من حسن الأدب ولا من كريم الخصال، بل لونٌ من ألوان التكبر المقنّع، أما النفوس الراقية فتجعل ميزانها الاحترام والخلق، وتُجلس الناس بقلوبٍ متساوية قبل أن تُجلسهم في أماكن متقاربة، لأن الكرامة لا تُقسَّم، والإنسان لا تُحدَّد قيمته بالمقعد الذي يجلس عليه.
(3)
البعض يجعل من العزاء احتفاليةً واستعراضاً، فتغيب هيبة المصاب تحت ضجيج المظاهر، ويُقدَّم الظهور على الدعاء، والمشهد على المشاعر، وتختفي فيه معاني المواساة والاحتساب، وينسون أن العزاء للدعاء والترحم وجبر الخواطر لا للاستعراض والتصوير والتباهي والتفاخر.