إيمان حمود الشمري
ينعكس كل تطور تقني على حياتنا ويُحدث تغييرات في أنماط المعيشة بمختلف جوانبها، وعلى الرغم من حاجتنا المستمرة إلى التغيير والتطوير، فإن ظهور أي أداة جديدة غالبًا ما يصاحبه قدر من القلق والمخاوف. ففي السابق، كانت المخاوف تدور حول برامج معالجة الصور مثل الفوتوشوب وما يترتب على إساءة استخدامها من تزوير للحقائق والإضرار بسمعة الأفراد أو المؤسسات والتسبب في أزمات على المستويين الشخصي والمهني، واليوم دخل الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة تقنية غير مسبوقة قلبت المعادلات وفتحت آفاقًا واسعة للابتكار، لكنه في الوقت ذاته أثار تساؤلات ومخاوف جديدة تتعلق بحدود استخدامه وتأثيره في المجتمع ومستقبل العمل والمعلومات.
قبل فترة وجيزة، نشرت وزارة الإعلام منشورًا بعنوان «كي لا تغيب الحقيقة»، تضمن ثمانية مبادئ تؤكد أهمية الالتزام بمعايير المصداقية والموثوقية والدقة في إنتاج المحتوى ونشره، محذرة من إساءة استخدام التقنيات الحديثة، وما قد يترتب عليها من تضليل للمجتمع وتشويه للحقائق. وتأتي هذه الرسالة في وقت أصبح فيه كثيرون ينظرون بقلق إلى بعض جوانب التطور التقني، رغم أن الغاية الأساسية منه هي تسهيل الحياة وتحسين جودتها، فغياب الأخلاقيات المهنية والإنسانية في أي مجال قد يهدد استقرار المجتمع وخصوصية أفراده ويحول تلك الأداة إلى مصدر خطر حقيقي، فالناس يختلفون في خلفياتهم التربوية والثقافية، وفي مستوى وعيهم وإحساسهم بالمسؤولية.. وما يراه بعضهم مزحة عابرة قد يعدّه آخرون إساءة واستهتارًا، وما يبرره بعضهم على أنه وسيلة للتأديب أو الانتقام قد يكون بعيدًا تمامًا عن القيم الأخلاقية واحترام الآخرين. لذلك تتفاوت المعايير الأخلاقية بين الأفراد تبعًا للتربية والوعي والنضج والبيئة التي نشأوا فيها، مما دفع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، لوضع قوانين صارمة رادعة كي تحد من الاستسخدام السيئ للذكاء الاصطناعي.
وتُعد قضية رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني مثالًا واضحًا على مخاطر إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل وتشويه السمعة، وقالت في بيان توضيحي: «أنا أستطيع أن أدافع عن نفسي، لكن كثيرين غيري لا يستطيعون»... إن مثالاً مثل هذا يثبت أن التلاعب قد يقع ضحيته أي فرد، وتزداد حساسية مثل هذه القضايا في المجتمعات العربية، حيث تلعب السمعة والصورة الاجتماعية دورًا محوريًا في حياة الأفراد والأسر، وقد تخلّف آثارًا نفسية واجتماعية كبيرة، حتى وإن ثبت لاحقًا أنها غير حقيقية. فسرعة انتشار المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تجعل الضرر واقعًا قبل أن تتاح فرصة نفيه أو تصحيحه، وهو ما يبرز أهمية تعزيز الوعي الرقمي والتحقق من صحة المحتوى قبل تداوله، ووضع قوانين صارمة تحد من انتشار الأكاذيب.
نحن لا نحارب التكنولوجيا، بل نحارب إساءة استخدامها، فالتقنية في ذاتها محايدة، لكن قيم مستخدمها هي التي تحدد ما إذا كانت أداةً للبناء والمعرفة، أم وسيلةً للتضليل والإساءة وانتهاك حقوق الآخرين.