د. سطام بن عبدالله آل سعد
في الحياة الاجتماعية، كثيرًا ما تُحل بعض الخلافات بعبارات تحفظ الود، وتمنح المخطئ فرصة لتجاوز الموقف. ومن أشهر تلك العبارات: «امسحها بوجهي»، ويقاربها في الإنجليزية تعبير: «Let it slide». فهي في أصلها وجاهة وشفاعة داخل المجلس، لكنها حين تنتقل إلى السياسة تصبح أكثر خطورة.
وهذا ما تفعله بعض مذكرات التفاهم في الصراعات الدولية. فهي تأتي بلغة هادئة تدعو إلى ضبط النفس ومنع التصعيد، لكنها قد تتحول إلى نسخة دبلوماسية من تلك العبارة الشعبية؛ وكأنها تقول للأطراف: دعونا نتجاوز هذه الجولة، ولا نفتح الدفاتر كلها، وليخرج الجميع بصورة مقبولة، على أن يبقى أصل الخلاف مؤجلًا إلى وقت آخر.
إن مذكرة التفاهم لا تشبه الاتفاق النهائي؛ فهذا الأخير يعرّف المشكلة، ويحدد المسؤوليات، ويضع ضمانات واضحة. أما المذكرة، فهي صيغة أولية لتقريب المواقف وتحديد نوايا الأطراف، وتبقى في أصلها إطارًا مرنًا، لكنها حين تدخل لعبة التهدئة السياسية، تمنح كل طرف ما يحتاجه للنجاة؛ بحيث يجد القوي مخرجًا من حرب مكلفة، ويحصل الضعيف على فرصة لالتقاط أنفاسه، وتنال الميليشيا اعترافًا غير مباشر، ويحصل الوسطاء على صورة نجاح، والرأي العام على عنوان مريح يقول: «هناك تفاهم».
لكن السؤال الأهم يقول: تفاهم على ماذا؟ هل هو تفاهم يقود إلى السلام، أم يؤجل الحرب؟ هل يضبط السلاح، أم يتركه في مكانه مع منعه من الاستخدام مؤقتًا؟ وهل يجري بين دول ذات سيادة، أم بين دول وتنظيمات مسلحة صارت تُعامل كأطراف سياسية بحكم الأمر الواقع؟
وهنا تكمن الخطورة؛ فعندما تجمع مذكرة التفاهم كلًا من الدولة والميليشيا على طاولة واحدة، فهي لا تصنع سلامًا حقيقيًا، بقدر ما تعيد ترتيب الفوضى، وتجعل البحث عن السلام أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.
قد تنجح المذكرة في إيقاف أزمة لفترة قصيرة، لكنها لن تبني أمنًا مستدامًا ما بقي التعامل معها محكومًا بمنطق المسايرة، لا بمنطق الالتزام والتنفيذ. فالمنطقة لا تحتاج إلى تهدئة تحفظ وجوه اللاعبين على حساب دول الجوار، بل إلى تفاهم واضح يحفظ سيادة تلك الدول، ويحمي علاقاتها، ويصون مستقبلها التنموي الذي يتجاوز حدودها الجغرافية.
وما أكثر ما دفعت المنطقة ثمن تلك العبارة الشهيرة: «امسحها بوجهي». فقد تكررت مرة بعد أخرى، حتى كبرت الأخطاء، وضاقت بها الوجوه، وتراكمت الذاكرة بما يفوق قدرة السياسة على المسح.