د. تنيضب الفايدي
تعوّد الكاتب أن يقدّم للقرّاء نشاطاً منظماً ومنسقاً، له خطواته المتسلسلة والمتكاملة وفق شروط البحث العلمي وذلك بهدف الوصول لنقل الأثر أو الآثار بطريقة صحيحة، كما يصوّر للقراء ما يحبّ أن ينقله كما صوّره والآثار المترتبة على ذلك بكلّ دقة علمية وبكل ثقة وأمانة، ويطبق في كلّ كتاباته شروط البحث العلمي؛ لأنه متخصص في ذلك فقد تمكن من الحصول على الشهادات بدرجة ممتاز من ثلاث جامعات الوطن الأساسية، حيث نال شهادتين بجامعة الملك سعود (الرياض) إحداهما ممتاز، ثم نال شهادة الماجستير في التربية من جامعة الملك عبد العزيز (ممتاز)، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في التربية من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (ممتاز)، لذا فإن كلّ ما يذكره ويكتبه موثق حسب شروط البحث العلمي، وجبل ثور جبلٌ صغيرٌ حذاء جبل أُحد جانحاً إلى ورائه، قال بعض الحفاظ: إنّ خلف أحد من شماليه جبلاً صغيراً مُدوّراً يسمّى ثوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف. وجبل ثور حد حرم المدينة من الشمال، وفيه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه حرّم ما بين عيرٍ إلى ثور». متفق عليه. وعن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: خطبنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فقال: (من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة - قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه - فقد كذب، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً...» متفق عليه واللفظ لمسلم.
وقد استشكل كثيرٌ من العلماء الكبار كلمة (ثور) الواردة في الأحاديث؛ لأنه جبلٌ معروفٌ في مكة وليس في المدينة، وبسبب ذلك قال بعضهم إنه وهم الراوي، قال المازري: قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي، وإنما ثور بمكة؛ قال: والصحيح إلى أحد، وقال الإمام النووي رحمه الله: يحتمل أن ثوراً كان اسماً لجبل هناك، إما أحد، وإما غيره، فخفي اسمه، والله أعلم. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير وثور جبلان بمكة، وأهل المدينة لا يعرفون بها جبلاً يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، قال: فإذاً نرى أن الحديث أصله (ما بين عير إلى أحد). قال الزركشي: نقل عياض عن بعضهم أنه ليس بالمدينة ولا ما يقرب منها جبل يعرف بأَحَد هذين الاسمين، أعني: عَيْراً وثوراً. قال ياقوت في معجمه: وهذا وهم، فإن عَيْراً جبل مشهور بالمدينة. وحمل بعضهم على المجاز، وقال بعضهم: «إلى» بمعنى «مع» كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم، وقال ابن الأثير رحمه الله: يكون المراد أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة إلى غير ذلك من تأويلات كثيرة.
وقد ردّ العلماء على التأويلات السابقة حيث قال صاحب البيان والانتصار: «قد صحت الرواية بلفظ ثور؛ فلا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان، فإن أسماء الأماكن قد تتغير أو تنسى ولا يعلمها كثيرٌ من الناس، قال: وقد سألت بمكة عن وادي محسّر وغيره من أماكن تتعلق بالنسك، فلم أخبر عنها مع تكرر مجيء الناس إليها، فما ظنك بغيرها؟ وأيضاً فقد يكون للشيء اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر».
وقال الحافظ محمد بن محمود بن النجار والمتوفى (647هـ) في تاريخه عن المدينة بعد ذكره لقول أبي عبيد: قلت: بل يعرف أهل المدينة جبل ثور، وهو جبل صغير وراء أحد (أي: خلفه)، ولا ينكرونه.
وقال المطري (ت 741هـ) بعد ذكر كلام أبي عبيد والمازري، قلت: «بل خلف جبل أحد من شماليه تحته جبلٌ صغير مدور، يسمى ثوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف».
وقال الشيخ ابن تيمية (ت728هـ) في مجموع الفتاوى ما لفظه: «وكذلك حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ما بين (لابتيها) و(اللابة) هي الحرة، وهي الأرض التي فيها حجارة سود، وهو بريد في بريد، والبريد أربعة فراسخ، وهو من عير إلى ثور، وعيرٌ: هو جبل عند الميقات، يشبه العير -وهو الحمار- وثورٌ: هو جبل من ناحية أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة».
وقد استغرب الفيروزآبادي (ت 817هـ) حيث يقول: «لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث الصحيح المتفق على صحته بمجرد دعوى أن أهل المدينة لا يعرفون بها جبلاً يسمى ثوراً. وغاية مثال هؤلاء القائلين أنهم سألوا جماعة من أهل المدينة -ولا يلزم أن يكون كلّهم- بعد مضيِّ أعصارٍ متطاولة وسنين متكاثرة فلم يعرفوه. والعلم القطعيُّ حاصل من طريق العيان المشاهد، بطريق التغير والاختلاف والنسيان على أسماء الأمكنة والبلدان باعتبار أسباب تحدث وأمور تتجدد فيلقب ذلك المكان باعتبار ما تجدّد فيه، ويهجر الاسم القديم الأصلي، ويتركُ العَلَم الموضوع الأول حين يكون نسياً. وأغرب من ذلك أني سألت جماعات من أشراف المدينة الأمراء بها ومن الفقهاء والسوقة عن (فدك) ومكانها، فكلهم عن بواء واحد أجابوا: بأنه لا يعرف في بلادنا موضعاً يدعى فدك، وهذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها ناسٌ عن ناس إلى أواخر الدولة العباسية، فكيف بجبلٍ صغيرٍ واقعٍ في طرف أحد، لا يتعلق به كبيرُ أمر».
إن جهل كثيرٍ من الناس بوجوده ليس حجة على من حفظه أو يعرفه، فالعبرة بمن يعلم الشيء لا بمن يجهله، فجبل ثور موجود إلى الآن بنفس المسمى، قال العلامة شمس الدين محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل بن بركات الحنبلي في حاشيته على معالم السنن ما صورته: «ثور جبل صغير خلف أحد، لكنه نُسي فلم يعرفه إلا آحاد الأعراب، بدليل ما حدثني الشيخ الإمام العالم عفيف الدين عبد السلام بن محمد بن مزروع البصري الحنبلي – وكان مجاوراً بمدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوق الأربعين سنة – قال: كنت إذا ركبت مع العرب أسألهم عما أمرّ به من الأمكنة، فمررت راكباً مع قوم من بني هيثم، فسألتهم عن جبل خلف أحد، ما يقال لهذا الجبل؟ فقالوا: يقال له ثور، فقلت: من أين لكم هذا؟ فقالوا: من عهد آبائنا وأجدادنا، فنزلت فصليت عنده ركعتين شكراً لله تعالى».
قال السمهودي (ت911هـ): « أما ثور فجبل صغير خلف أحد وقد خفي على جماعة من فحول العلماء، فاستشكلوا الحديث.. ثم نقل نقولاً كثيرة عمن سبقه في إثبات جبل ثور وأنه خلف أحد (أي: شماله).. إلى أن قال: فدل على أن ما اشتهر في زماننا وقبله من وجود « ثور» بالمدينة، له أصل في الزمن القديم، وإن خفي على بعضهم، وقد أخبرني بوجوده جماعة كثيرة من الخواص وأروني إياه خلف أحد».
قال العباسي (المتوفى في القرن العاشر الهجري): «ثور: بلفظ الثور فحل البقر، جبل صغير جداً وراء أحد، وقال بعض الحفاظ: إن خلف أحد من شماله جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثور يعرفه أهل المدينة».
قال الرملي رحمه الله تعالى (ت1004هـ): «هو جبل خلف أحد». وقال ابن حجر المكي رحمه الله تعالى (ت973هـ) في تعليقه على قول أبي عُبيد (وإنما ثور بمكة): هذا الحصر ممنوع، فقد قال كثير من المحققين كالزمخشري (ت538هـ) وغيره، ونقله بعضهم عن طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض: أن ثوراً اسم جبل صغير خلف أحد، وبه يُعلم أن أحداً من الحرم.
وقال الدكتور السيد الوكيل: «فأما ثور فهو جبل صغير لونه أحمر وموقعه شمال جبل أحد -أي خلفه-. وقال السيد علي حافظ (ت1407هـ): «وجبل ثور جبل مستدير يصفه بعض المؤرخين بأنه مثل الخيمة، ولونه يميل إلى الحمرة ويقع شمال جبل (أحد)».
قال البلادي: «وثور الذي بالمدينة جبل شبيه البرث أحمر حائر بطرف وادي النقمي من الجنوب، وشمال أحد عن قرب تكلم من أحدهما من في الآخر، بينهما طريق عُبِّد ليكون مجنباً لغير المسلمين لتحاشي مرورهم بالمدينة، ويبعد شمال المدينة بحوالي 17 كيلاً». ويقول غالي الشنقيطي: «الصحيح لديّ بعد استقراء الأدلة أنه يوجد في المدينة جبل ثور وهو جبل أحمر صغير قائم كالثور خلف جبل أحد».
يقول الكاتب: إن الحد الشمالي لحرم المدينة المنورة قد تم تحديده عدة مرات بدءاً من عام 1374هـ وحتى يصل القراء إلى نتيجة يستفيدون منها، لابد من إبراز علاقة الكاتب بجبل أحد وما حوله حيث إنها علاقة وثيقة وقديمة فقد غمر جسمه بماء عين سيد الشهداء في زيارات مختلفة (1384هـ) عندما كان يافعاً ومن ثم تجول بين قممه (1388هـ) وتتعدد زياراته كل عام تقريباً وقبل خمسة وثلاثين عاماً أصبح مديراً لمدرسة يطلق عليها سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- ويعرف الطلاب وأولياء أمورهم الذين يقطنون أودية وسفوح جبل أحد، وكم كرر رحلات منظمة إلى جبل الرماة والساحات الجنوبية لجبل أحد حيث وقعت الغزوة المباركة وورد فيها قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يعتقد الكاتب وجود من له علاقة بجغرافية أحد مثل من عاش مع سكانه ومربياً لأبنائهم، وتحديداً لموقع جبل ثور الحد الشمالي يمكن إيجاز ذلك في نقاط:
أولاً: يعتمد كثير من الباحثين على سكان أي موقع لتحديده والوقوف عليه أو يعتمد على من مرّ به ووصفه وينطبق ذلك الوصف على الموقع، وهذا دأب الباحثين القدامى الذين يقفون على الموقع فعلاً وقد تمت الاستفادة من بعض القبائل المجاورة لجبل ثور الذي يقع شمال جبل أحد وينفصل عنه ويميل إلى الشمال الغربي قليلاً.
ثانياً: تؤكد بعض الأبحاث أن ذلك الجبل هو جبل ثور الحد الشمالي للمدينة المنورة وقد صعد الكاتب على قمته قديماً ووجد بعض المآثر مثل الصخور المتطابقة فلربما أنها بقايا بنيان.
ثالثاً: ذكر فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاتة (المتوفى 1419هـ) يرحمه الله صاحب الحلقة العلمية التي استمرت عشرات الأعوام خلف المكبرية بالقرب من الروضة الشريفة، ذكر هذا الشيخ الجليل أن الحد الشمالي للمدينة المنورة هو جبل ثور، وذكر أدلة تثبت ذلك.
رابعاً: يؤكد فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبدالفتاح القارئ، أن الحد الشمالي للمدينة المنورة هو جبل ثور، وهو الجبل المذكور والشيخ القارئ من أولئك الذين يقفون على المواقع، ويؤكد ذلك بأدلة واقعية ميدانية، وإقرار لجنة من العلماء لا يضفي عليهم أهمية بمعرفة المكان وجغرافيته وهذا ما طبق في اللجنة الأخيرة التي شكلت.
أما اختيار جبل ثور جنوب جبل أحد (جبل القدوم أو جبل عليه خزان ماء) فقد أخطأ الناس خاصة حديثاً، فجميع المؤرخين ذهبوا شبه اتفاق إلى أن جبل ثور خلف جبل أحد يقع في شماله، فمن اختار جبل ثور شرق المدينة قديماً وفي جنوب جبل أحد (جبل الخزان) في طريق المطار القديم فليس ذلك بصحيح، كما أن من يروج ذلك فهو خاطئ ويتحدث بغير ثقة علمية.
المراجع:
المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، المغني لابن قدامة، إعلام الساجد للزركشي، التعريف للمطري، أخبار مدينة الرسول لابن النجار، عمدة الأخبار للعباسي، مجموع الفتاوى لابن تيمية، فصول من تاريخ المدينة لـ: علي حافظ، معجم معالم الحجاز للبلادي، المدينة بين الماضي والحاضر للعياشي، الدر الثمين للشنقيطي، جبال وحرار طابة للدكتور/ تنيضب الفايدي، ثقافة الأديب للدكتور/ تنيضب الفايدي.