فاطمة الجباري
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تشبه ما قبلها، ولعل من أصعبها تلك اللحظة التي يبدأ فيها الأبوان بملاحظة أن طفلهما لا يسير على الوتيرة نفسها التي يسير عليها أقرانه. حركة لا تهدأ، نسيان متكرر، تشتت في الانتباه، اندفاع في التصرفات، وصعوبة في الالتزام بالتعليمات.
في البداية يرفض القلب التصديق.
تقول الأم في نفسها: «سيكبر ويتغير»، ويقول الأب: «إنه مجرد طفل كثير الحركة». لكن الأيام تمضي، وتتكرر الملاحظات من المدرسة والأقارب، ويبدأ القلق يتسلَّل إلى النفوس، فينشأ صراع مؤلم بين الرفض والقبول.
إن فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس مجرد سلوك عابر أو سوء تربية كما يظن البعض، بل حالة تحتاج إلى فهم واحتواء ومتابعة. والمشكلة الحقيقية لا تبدأ من الطفل، بل من تأخر المحيطين به في تقبل حالته والبحث عن الوسائل المناسبة لمساعدته.
أعرف قصة أم عاشت هذه التجربة بكل تفاصيلها المؤلمة.
كان ابنها «سالم» طفلاً ذكياً ومرحاً، لكنه لا يستطيع الجلوس في مكانه لدقائق معدودة. يقاطع الآخرين كثيراً، ينسى واجباته المدرسية، ويتنقَّل من نشاط إلى آخر دون أن يكمل شيئاً. كانت تتلقى الشكاوى باستمرار، حتى بدأت تشعر أن الجميع يتهمها بالتقصير.
كانت تعود إلى منزلها باكية، وتوبخ طفلها أحياناً، ثم تبكي أكثر حين ترى الحيرة في عينيه. كان يقول لها ببراءة:
«يا أمي، أحاول أن أكون مثلهم لكني لا أستطيع.»
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تهز قلبها.
قررت أخيراً أن تستشير المختصين. وبعد التقييم والتشخيص، عرفت أن ابنها يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
في ذلك اليوم لم تنته المشكلة كما ظنت، بل بدأت رحلة جديدة؛ رحلة الفهم والوعي.
تعلمت كيف تتعامل معه، وكيف تنظم يومه، وكيف تشجعه بدلاً من توبيخه. بدأت ترى نقاط قوته التي كانت تخفيها الفوضى الظاهرة. اكتشفت أنه سريع البديهة، مبدع في الرسم، ويمتلك خيالاً واسعاً.
ومع المتابعة والدعم الأسري تحسَّنت حالته تدريجياً، وأصبح أكثر قدرة على التركيز والتفاعل مع الآخرين.
تقول والدته اليوم:
«أكثر ما أندم عليه ليس تعب السنوات الأولى، بل الوقت الذي ضاع مني وأنا أقاوم فكرة القبول.»
نعم.. القبول ليس استسلاماً، بل بداية الطريق.
فالطفل الذي يعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يحتاج إلى نظرات الشفقة، ولا إلى الأحكام القاسية، بل يحتاج إلى من يفهمه ويؤمن بقدراته.
كل طفل يحمل في داخله بذرة تميز، وبعض الأطفال يحتاجون فقط إلى من يكتشف هذه البذرة ويسقيها بالصبر والحب.
إلى كل أم وأب يعيشان هذه التجربة:
لا تجعلوا الخوف يقودكم إلى الإنكار، ولا تسمحوا لكلمات الناس أن تزيد من حيرتكم. ابحثوا عن المعرفة، واستعينوا بالمختصين، وامنحوا أبناءكم الحب غير المشروط.
فخلف الحركة الزائدة قلب صغير يتعب، وخلف التشتت عقل يحاول جاهداً أن يثبت نفسه، وخلف كل طفل مختلف حكاية نجاح تنتظر من يؤمن بها.
فربما يكون الطفل الذي يشغل الجميع اليوم، هو نفسه الذي يبهرهم غداً.