نور الدين محمد طويل
أشرقت شمس الإسلام واستنار الكون بضيائها، فتسابق الناس شرقاً وغرباً إلى الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
ولما أمر المولى سبحانه وتعالى في بداية الوحي على رسوله بالقراءة والكتابة اهتم المسلمون بهذين المصدرين الأساسيين لأن الحياة لا تقوم إلا بهما، وهذا مما يدل على إعجاز القرآن الكريم.
وبعد اتساع رقعة الإسلام وتنوع العلوم والمعارف نشأت المدارس الإسلامية التي قامت بخدمة الثقافة الإسلامية العربية من تدريس وتوجيه وإرشاد عبر العصور إلى عصرنا الحاضر.
ومن المدارس الإسلامية المشهورة التي تأسست منذ أكثر من مائة عام تقريبا بمدينة (مبيني) في جزر القمر مدرسة الأزهر الشريف للشيخ أحمد بن مفواهاي، ومدرسة دار الجديد للشيخ عبدالله بن عبدالوهاب رحمهما الله تعالى.
والمدرستان توأمتان في التوجيه والإرشاد لأبناء المدينة والمنطقة بل كافة أنحاء جزر القمر، حيث أن مؤسسيهما تزامنا معا وكل منهما على نهج واحد في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة وهي نشر العلم والمحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية.
لقد أنجبت مدينة (مبيني) نخبة من الفقهاء والأدباء والمؤرخين كلهم شاركوا الشيخين الجليلين في خدمة العلم ونشره بين الناس، ومنهم: الأديب الشيخ أحمد قمر الدين بن علي -رحمه الله- الذي كان مستشاراً لرؤساء جزر القمر قبل الاستقلال، واستطاع أن يثري لغة الضاد بمؤلفاته العلميّة القيمة وقصائده الرائعة.
وكذلك الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن المعروف بزهده وورعه وتواضعه وملازمته للقرآن الكريم قراءة ليلاً ونهاراً، وهناك الكثير ممن لا يتسع المجال لذكر أسمائهم، والفضل كله -بعد الله- يعود إلى شيخهم القاضي عبد الغفور بن السلطان جمبفوم الذي بلغ مبلغاً كبيراً في القضاء والإفتاء في جزر القمر في عهده.
أما المدرستان اللتان هما بيت القصيدة:
1 - الأزهر الشريف للشيخ أحمد بن مفواهاي وهي مدرسة أسسها الشيخ لتدريس العلوم الإسلامية بعد رحلته العلمية المباركة التي قطعها بحثا عن العلم والمعرفة عند كثير من المشائخ والعلماء وعلى رأسهم الفقيه المتقن الشيخ مويني علوي بن عبدالله بن حسن جمل الليل وابنه عبد بن مويني علوي رحمهما الله في مدينة (نسوجيني)، فمن هنا بذل الشيخ أحمد مفواهاي جهداً كبيراً في إحياء العلم والمعرفة فبنى مدرسته الأزهر الشريف تيمناً بالأزهر الشريف في مصر على نفقته الخاصة، والتحق بالمدرسة عدد كبير من أبناء جزر القمر للدراسة فيها، فتخرج منها القضاة والخطباء ومن أبرزهم رئيس جزر القمر الأسبق محمد تقي بن عبدالكريم (1996-1998) رحمه الله، ثم الشيخ محمد بن محسن والشيخ شئث بون والقاضي الشيخ محمد ناصر بن الشيخ محمد مفواهاي، ثم القاضي الشيخ محمد شاكر بن الشيخ أحمد مفواهاي الذي أخذ مكان والده بعد وفاته للتدريس والوعظ والإرشاد إلى وفاته.
والمدرسة لها قسمان: القسم الأول لبداية قراءة القرآن وتجويده والمختصرات الفقهية، والقسم الثاني لدراسة العلوم الشرعية من توحيد وفقه وحديث على يد الشيخ أحمد - رحمه الله.
2 - مدرسة دار الجديد للشيخ عبدالله بن عبدالوهاب: جاءت فكرة تأسيسها بعد وفاة عمه القاضي الشيخ عبدالغفور بن السلطان جمبفوم والذي كان ملازما له في طلب العلم ومن أبرز طلابه في المدرسة والبيت إلى أن زوجه بابنته عائشة بنت عبدالغفور والتي أنجبت منها محمد صادق ومحمد طويل والد كاتب المقال.
لما نظر الشيخ إلى أنه أخذ زمام التدريس بعد وفاة عمه وشيخه القاضي عبدالغفور قام ببناء مدرسة دار الجديد على نفقته الخاصة لينتقل من مكان شيخه إلى مكان أوسع يتسع فيه استقبال طلبة العلم الذين يأتون من أرجاء البلاد لتلقي العلم على يديه.
والمنهج المتبع في المدرسة هو نفس منهج مدرسة الأزهر الشريف للشيخ أحمد وهو: تعلم القرآن الكريم والمختصرات الفقهية أولاً ثم أمهات الكتب الإسلامية أمام الشيخ عبدالله ثانياً.
ومن العلماء الذين تخرجوا من مدرسة دار الجديد: القاضي السيد عمر بن السيد أحمد الجيلاني، والشيخ أحمد جابر، والشيخ سعيد بن عبد الوهاب، ثم الشيخ صادق بن إمبايانزا أول خريج قمري من كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وبعد وفاة الشيخ عبدالله جلس على كرسي التدريس من بعده ابن عمه الشيخ محمد طاهر بن الشيخ عبدالغفور -رحمه الله- الذي قضى أكثر من ثلاثين سنة في التدريس فيها إلى وفاته.
إن المتأمل للمدرستين يجد أنهما من خلال جهود الشيخين الجليلين اللذين قاما بالتدريس فيما لا يقل عن ستين سنةً تقريباً من أسباب ارتقاء مدينة (مبيني) وعلو شأنها واشتهارها على أنها مدينة المنار بالعلم والمعرفة، فتسابق طلبة العلم إليها لنيل العلم من المدرستين.
وإذا كانت الجهود العلمية التي بذلها الشيخان بقيت آثارها إلى الآن، وذلك انهم قدموا محبة الله ورسوله فتحققت أمنياتهم، وهي خدمة العلم ونشره بين الناس ابتغاء مرضاة الله
ومما يؤكد لنا مدى عمق أخوة الشيخين الجليلين فإن الشيخ أحمد مفواهاي في رحلته الأولى للحج اشترى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي وأهدى الكتاب لأخيه الشيخ عبدالله بن عبدالوهاب وكان ذلك في الثلاثينات من القرن الماضي.
ولقد استطاع حفيد الشيخ أحمد من جهة الأم الكاتب المبدع والمؤرخ الدقيق سفير جزر القمر سابقاً لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي الدكتور حامد كرهيلا -حفظه الله- أن يثبت في كتابه القيم (أثر الإسلام في تشكيل السلوك الاجتماعي في جزر القمر) دور الشيخين الجليلين في التدريس والإرشاد .
وكذلك حفيد الشيخ عبدالله بن عبدالوهاب من جهة الأب والأم الذي هو كاتب المقال كتب سلسلة مقالات عن علماء جزر القمر، منهم الشيخين الشيخ أحمد بن مفواهاي والشيخ عبدالله بن عبدالوهاب تم نشرها على صحيفة مكة الإلكترونية.
خدمتنا لثقافتنا الإسلامية تقتضي الاهتمام بدراسة تاريخ العلماء لما بذلوه من جهود كبيرة في حماية التراث الإسلامي العظيم.
** **
- إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا