عبدالوهاب الفايز
الأخبار الإيجابية التي نسمعها حول إعادة تصحيح أوضاع الموارد البشرية في عدد من الشركات الكبرى، بالذات القيادية العاملة في مواقع حيوية في اقتصادنا الوطني، هذه الأخبار المفرحة تخدم متطلبات الأمن الوطني وتؤكد أن ولي الأمر إذا اتضحت له المصالح العليا لبلادنا، وفي ذروتها حماية سوق العمل وحماية أمننا الوطني، يتدخل سريعا، فهنا لا صوت يعلو فوق هذه الحاجة. وهذا دافعنا للاطمئنان على سلامة القرار الوطني، ومتانة الجبهة الداخلية لبلادنا.
واستثمار هذه الروح الإيجابية الإصلاحية يشجعنا على طرح الأفكار والتصورات، وتوسيع جهود النقد الإيجابي الذي يستظل براية المصلحة العليا لبلادنا. ولنعزز قصص النجاح في توطين الوظائف.. ربما نحتاج وجود (المراجع الخارجي للموارد البشرية) في جميع الشركات السعودية، بالذات المساهمة، أو التي تدير أنشطة مدعومة بأموال حكومية، مباشرة وغير مباشرة. الحكومة تحتاج التدخل الذي يكفله النظام، وتتيحه المسؤولية الشرعية الدينية والأخلاقية للدولة.
حين نقرأ التقارير السنوية للشركات المساهمة السعودية، نجد دقة الأرقام المالية وعمق التدقيق المحاسبي وصرامة معايير الإفصاح، غير أن الذي لا تعكسه هذه التقارير هو: مدى الإنجاز في ملف الموارد البشرية. فكما تدون التقارير الإيرادات والمصروفات المدققة من مراجع حسابات مستقل، نجد أن قرارات التوظيف وإنهاء الخدمة والترقي وتهميش الكفاءات.. كل ذلك يتم في فضاء شبه مغلق، بعيداً عن أية رقابة منهجية مستقلة.
هذه الثغرة في بنية الحوكمة، نحتاج التوقف عندها بعد القصص العديدة التي نسمعها ونعرفها حول تهميش الكوادر الوطنية، وإبعادها من المناصب القيادية، أو عدم الاهتمام بمتطلبات بيئة العمل الداعمة والمحفزة للأجيال الجديدة من أبنائنا وبناتنا. هؤلاء حين تراهم كل صباح مقبلين وفرحين بوظائفهم تقول: الله يعينهم على ما سوف يواجهون في بيئة العمل من سلوك رؤسائهم ورئيساتهم! بيئات العمل السامة هي القاتل الصامت لنجاح الشركات.
الذي نتمنى أن تدركه أغلب مجالس الإدارات هو أن الموارد البشرية في الشركات المساهمة ليست شأناً إدارياً داخلياً بحتاً، إنها (أصل استراتيجي) لا تتحمل حمايته الإدارة التنفيذية وحدها، بل هي مسؤولية اخلاقية ونظامية لمجالس الإدارات ومعها الجمعيات العمومية. فالمساهم حين يستثمر أمواله في شركة مدرجة، لا يرهن مصلحته بالأصول الملموسة وحدها، بل بجودة الكوادر التي تُدير تلك الأصول وتُحرّكها وتُولّد من ورائها أرباح الشركة وقيمتها السوقية. المساهم من حقه أن يجد آليات التحقق المُطمئنة على سلامة القرارات الأساسية التي تمس الموارد البشرية في الشركة التي يساهم فيها. هذا الغياب يستحق أن يُعالَج بأداة تشريعية واضحة.
الذي نقترحه هنا بسيط في تطبيقه وعميق في أثره: في المرحلة الأولى لتطبيق هذه الآلية، إلزام الشركات المساهمة المدرجة بتعيين مراجع خارجي مستقل للموارد البشرية، يعمل بالتوازي مع مراجع الحسابات المالية، يرفع تقريره السنوي إلى مجلس الإدارة مباشرةً ويُدرج ضمن التقرير السنوي للشركة، ومجال عمله يشمل تدقيق سياسات التوظيف والإنهاء، وفحص معايير التقييم والترقي، ومراجعة خطط الخلافة القيادية، وقياس مؤشرات الاستقرار والتدوير الوظيفي، والتحقق من مطابقة ممارسات التوطين للمتطلبات النظامية. والأهم التحقق من وجود خطة واضحة لتأهيل قيادات الصف الثاني. هذه من الأمور الجوهرية في علاقات الشركات مع أصحاب المصلحة.
والحاجة إلى هذه الآلية لا تنبع من المظاهر السلبية التي تعاني منها بيئات العمل، بل من ضرورة بناء الثقة. فحين تُحكم الإدارة التنفيذية قبضتها على ملف الموارد البشرية دون رقيب مستقل، وتحدث التجاوزات هنا قد يصعب إثبات وجود التجاوز في ظل غياب الآلية النظامية.
القرارات البشرية التعسفية، سواء أكانت إقصاءً لكفاءة، أم محاباةً في الترقي تُكافئ الولاء على حساب الأداء، هذه تُفضي إلى استنزاف صامت لا يظهر في ميزانية العام ذاته لكنه يتراكم خسارةً استراتيجية في السنوات التالية.
وللمملكة العربية السعودية في هذا السياق خصوصية تجعل المقترح ذا أولوية متقدمة. فالتوجه الى التخصيص، وكذلك تطلعات برامج رؤية 2030 تضع على عاتق الشركات المساهمة وغيرها دوراً محورياً في استيعاب الكوادر الوطنية وتأهيلها ورفع إنتاجيتها، وهو دور لا يمكن التحقق من أدائه الحقيقي طالما ظل ملف الموارد البشرية بمعزل عن التدقيق المستقل. فضلاً عن ذلك، فإن (بيانات التوطين) التي ترفعها الشركات إلى الجهات الرقابية تحتاج إلى خطوة تحقق إضافية تكفل مطابقتها للواقع، وهذا لا يعني اتهام الشركات بالتضليل، بل لأن الرقابة الاستباقية تقلل تكلفةً المعالجات اللاحقة.
وهناك تجارب دولية رائدة تُعزز جدوى هذا الاتجاه. فالمملكة المتحدة تُلزم شركاتها الكبرى بالإفصاح المدقق عن فجوات الأجور وسياسات التنوع تحت رقابة مستقلة، وتسير الأسواق الأوروبية نحو إلزامية تقارير رأس المال البشري ضمن منظومة معايير الإفصاح البيئي والاجتماعي والحوكمي.
في المملكة لدينا قيمة إيجابية لتطبيق مثل هذه الآلية، في هذه الخطوة رسالةً واضحة مفادها أن حوكمة الشركات لا تقف عند حدود الأرقام المالية، بل تعالج أمورا جوهرية مثل راس المال البشري. هذا يؤكد حرصنا على تعزيز تنافسية أسواقنا المالية، ويدعم التوجه لجذب الاستثمار المؤسسي الدولي.
الجهات التنظيمية المعنية بهذا الملف معروفة: هيئة السوق المالية بوصفها مشرفاً على الشركات المدرجة، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بما تملكه من صلاحيات سيادية لتنظيم سوق العمل، والهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين بما تستطيع تطويره من معايير اعتماد للمهنة. هذه الجهات لا تنقصها الإرادة والقدرة التنظيمية، فما ينقص هو المقترح التشريعي المنضبط الذي يُترجم الحاجة إلى نص نظامي قابل للتطبيق.
إن مراجع الحسابات المالي لم يُفرض على الشركات لأنها متهمة بالاحتيال، بل فرض لأن الشفافية شرط بنيوي لعمل الأسواق. وبالمنطق ذاته، يُفرض المراجع الخارجي للموارد البشرية ليس اتهاماً للإدارات بالتعسف، بل ترسيخ لمبدأ أن الأصول البشرية لا تقل عن الأصول المالية في استحقاق الحماية والشفافية. فالشركة التي تُدقق على كل ريال ولا تُدقق على قرار التخلص من كفاءة بنت عليها قيمةً على مدى سنوات، هذه الشركات تعاني من خللٍ كبير في منظومة أولوياتها.
مَنْ الجهة المخولة النظر في هذا الأمر؟
ربما مجلس الشورى هو الجهة التي عليها واجب الإصلاح التشريعي لبيئة الأعمال في المملكة. ولي الأمر ونظام المجلس يتيحان للأعضاء الحق السيادي في الأمور التي تخدم المصلحة العامة. تعديل النظام غير مكلف، ولن يضيف أعباء مالية على الشركات. لكن هذا الأمر سوف يطور الرقابة في بيئة الشركات المساهمة لتكون أكثر عدالةً مع الكفاءات الوطنية، وأكثر صوناً لحقوق المساهم، وأكثر انسجاماً مع طموحات المملكة في بناء اقتصاد معرفي مستدام تكون فيه الكفاءة البشرية محمية بالنظام، وبمقتضيات المصلحة العليا للدولة.
مجالس الإدارات -وهنا لا نعمم- يجب ألاّ تكون مجالس مجاملات (تبصم)، وعينها فقط على المكافآت السخية، يجب ان تعمل بإخلاص لأهداف الشركة والأهداف الوطنية حتى تبرأ ذمتها أمام الله سبحانه وتعالى أولا.. ثم أمام المُلاك والناس جميعا.