د. عبدالحليم موسى
تُروى قصة عن امرأة إفريقية كانت تعيش ظروفاً معيشية قاسية في إحدى المدن البريطانية، فطلبت المساعدة عبر إذاعة محلية، ويُقال إنّ رجلاً أراد أن يجعل من حاجتها وسيلة لإثبات أفكاره الخاصة، فأرسل إليها مساعدات غذائية كبيرة عبر إحدى موظفاته، طالباً منها أن تخبر المرأة بأنّ هذه المساعدات جاءت من شخص لا يؤمن بما تؤمن به، لكن المرأة استقبلت ما وصلها بفرح وامتنان، وحين سُئلت عمّن أرسل تلك المساعدات أجابت بكلمات عفوية عميقة المعنى، مفادها أنّ الخير إذا قُدّر له أن يصل إلى صاحبه فإنه يصل مهما اختلفت النوايا والأسباب حتى إن كان من الأشرار.
ليست كل القصص العظيمة تلك التي يثبت المؤرخون تفاصيلها حرفاً حرفاً، فبعض الحكايات تبقى حية لأنّها تحمل معنى يتجاوز الأشخاص والأزمنة، ومن هذا النوع تلك الروايات التي تذكرنا بأنّ الإنسان مهما ظن أنه يسيطر على مجريات الأحداث، يبقى جزءاً من منظومة أكبر وأعقد من حساباته المحدودة.
في ظاهر المشهد تبدو القصة بسيطة: إنسانة محتاجة، ومساعدة تصلها من حيث لا تحتسب، لكن في عمقها تكمن حقيقة فلسفية قديمة رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ؛ وهي أنّ العالم لا يسير دائماً وفق النوايا التي يخططها البشر لأنفسهم، فكم من شخص أراد فعلاً شيئاً فانتهى إلى نقيضه، وكم من إنسان ظنّ أنه يتحكم في مجرى الأحداث فاكتشف أنه مجرد حلقة صغيرة في شبكة واسعة من الأسباب والنتائج.
إنّ الإنسان بطبيعته يميل إلى الاعتقاد بأنه سيد الموقف، وأنّ عقله قادر على تفسير كل شيء، وأنّ خططه هي التي تصنع المستقبل، لكن الحياة كثيراً ما تفاجئنا بلحظات تهدم هذا الغرور الهادئ. لحظات نرى فيها أنّ الخير قد يأتي من طريق لم نتوقعه، وأنّ الأبواب التي أغلقها الناس قد تفتحها يد أخرى لا تخضع لحساباتهم.
وقال جلال الدين الرومي: «عش حياتك وكأنّ كل ما يحدث لك إنّما يحدث لصالحك».
وهي عبارة لا تدعو إلى تجاهل الألم أو إنكار المعاناة، بل تذكّر الإنسان بأنّ الأحداث لا تُقاس بلحظتها العابرة فقط، فكم من محنة كانت جسراً إلى منحة، وكم من باب أُغلق ليقود إلى أبواب أوسع وأرحب، وكم من تدبير بشري محدود انتهى إلى نتائج لم تخطر على بال أصحابه، إنّ الزمن وحده هو الذي يكشف للإنسان أنّ الصورة التي رآها ناقصة كانت في الحقيقة جزءاً من لوحة أكبر وأكثر اكتمالاً.
ولعل أجمل ما في هذه القصة ليس المساعدة ذاتها، وإنما تلك الروح الواثقة التي واجهت بها المرأة ظروفها، فالإيمان الحقيقي لا يعني انتظار المعجزات، بل يعني امتلاك الطمأنينة وسط العاصفة، واليقين بأنّ ضيق اللحظة ليس نهاية الطريق، الإنسان المؤمن بالقيم الكبرى لا يعيش أسيراً للحسابات الضيقة، لأنه يدرك أن الواقع أوسع من أن يُختزل في ما تراه العين أو يحسبه العقل المجرد.
ومن هنا تأتي المفارقة التي تتكرر في حياة الناس كل يوم: قد يسعى أحدهم إلى الإضرار بغيره، فإذا به يساهم من حيث لا يدري في نفعه، وقد يظن آخر أنه يغلق باباً، بينما يكون في الحقيقة يفتح أبواباً أخرى.
وكأن الحياة تقول لنا باستمرار إن النتائج ليست دائماً ملكاً لمن يبدأ الفعل، بل لمن تجري الأمور في اتجاهه وفق سنن أكبر من رغبات الأفراد، ولعل هذا هو المعنى العميق الذي أرادت تلك المرأة البسيطة التعبير عنه حين لم تنشغل بالأيدي التي حملت العطاء، بل بالمصدر الأسمى الذي هيأ أسبابه. فكم من خير وصل إلى أصحابه عبر طرق لم يتوقعوها، وكم من باب فُتح بأيدٍ لم تكن تنوي فتحه، بل إنّ التاريخ الإنساني مليء بمواقف تحوّلت فيها خطط الأشرار إلى أسباب لولادة الخير، وانقلب فيها المكر على أصحابه، وكأنّ الأقدار تمتلك قدرة خفية على إعادة توجيه الأحداث نحو غايات تتجاوز نيات البشر جميعاً؛ عندها يدرك الإنسان أنّ القوة الحقيقية ليست في التدبير وحده، بل في الحكمة التي تجعل حتى أدوات الشر تسهم، من حيث لا تدري، في اكتمال مشهد الخير.
وقد عبّر ابن القيم الجوزية عن هذا المعنى بعمق حين أشار إلى أنّ العبد قد يكره الشيء وهو يحمل له الخير، وقد يحب الشيء وهو يخفي عنه الضرر، لأنّ علم الإنسان محدود بينما تجري المقادير وفق حكمة أوسع من إدراكه، وهذه النظرة لا تلغي دور الإنسان في السعي والعمل، لكنها تحرره من وهم السيطرة المطلقة على كل ما يدور حوله، وتمنحه قدراً من السكينة حين تعجز التفسيرات البشرية عن فهم ما يجري.
لهذا لا ينبغي أن نتوقف كثيراً عند أسماء الأشخاص أو أماكن وقوع الحكايات، فالأهم هو الفكرة التي تحملها، فمثل هذه القصة قد تتكرر في قرية نائية في إفريقيا، أو في مدينة مزدحمة في أوروبا، أو في حي بسيط من أحيائنا العربية، قد تتغير الوجوه واللغات والأزمان، لكن المعنى يبقى واحداً:
أنّ الخير قادر على شق طريقه حتى وسط نوايا متناقضة، وأنّ الإنسان لا يحيط بكل خيوط المشهد مهما بلغ من العلم أو القوة.
وفي النهاية، لعل الحكمة الأعمق هي أنّ الحياة أكبر من حساباتنا، وأنّ الأقدار تمضي أحياناً في طرق لا تخطر على بال أحد، وما نظنه اليوم مستحيلاً قد يصبح غداً حقيقة، وما نراه باباً مغلقاً قد يكون مقدمة لباب أوسع، لذلك يبقى الأمل فضيلة، ويبقى اليقين نوراً، وتبقى الثقة بأنّ وراء المشهد ما لا نراه أحد أجمل الأسرار التي تمنح الإنسان القدرة على مواصلة الطريق، وربما لهذا السبب تستمر مثل هذه القصص في الانتقال من جيل إلى جيل؛ لأنها لا تتحدث عن حادثة بعينها بقدر ما تتحدث عن قانون إنساني خالد يتكرر بأسماء مختلفة وأماكن مختلفة، وسيظل يتكرر ما دام الإنسان يعيش بين الأمل والخوف، وبين التدبير البشري والقدر الذي يفوق كل تدبير.