صبحي شبانة
يوم الجمعة 19 يوليو قد لا يكون مجرد موعد لتوقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بل موعداً لاختبار جديد للشرق الأوسط نفسه، فالمنطقة التي اعتادت استقبال الحروب أكثر مما اعتادت استقبال التسويات تعرف أن التوقيع على الورق ليس دائماً نهاية الصراع، كما أن المصافحات أمام عدسات الكاميرات لا تكفي وحدها لإطفاء حرائق تراكمت عبر عقود من الشكوك والخصومات والحسابات المتضاربة، سيجلس المفاوضون إلى الطاولة وهم يحملون ملفات الحرب، لكنهم سيغادرونها حاملين أسئلة السلام، من الذي انتصر؟ ومن الذي تنازل؟ ومن الذي حصل على الوقت الذي كان يحتاجه؟ والأهم: هل تستطيع الأطراف المعنية العيش مع الاتفاق بالقدر نفسه الذي استطاعت فيه الوصول إليه؟ في منطقة الشرق الأوسط لا تبدأ المشكلات دائماً عندما تفشل المفاوضات، بل أحياناً عندما تنجح، فالاتفاقات الكبرى لا تنهي الصراعات بالضرورة، بل تنقلها إلى مرحلة مختلفة تتراجع فيها لغة الصواريخ لتتقدم لغة النفوذ والحسابات الدقيقة وصراع الروايات، ولهذا فإن الأنظار لن تتجه فقط إلى ما سيُوقَّع يوم الجمعة في جنيف بسويسرا، بل إلى ما سيحدث في اليوم التالي، حين يبدأ الامتحان الحقيقي للاتفاق، وحين تكتشف المنطقة ما إذا كانت قد اقتربت خطوة من الاستقرار، أم أنها دخلت فصلاً جديداً من إدارة الأزمات تحت عنوان مختلف.
لنفترض أن الاتفاق بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وُقِّع، لنفترض أن الوسطاء ابتسموا أمام الكاميرات، وأن الدبلوماسيين تبادلوا المصافحات، وأن البيانات الرسمية تحدثت عن فرصة تاريخية لإحلال السلام، ومرحلة جديدة للتعايش بلا عداوات، وتغليب الحكمة على لغة السلاح، ماذا بعد؟ كيف سيبدو الشرق الأوسط في صباح اليوم التالي؟ وهل يكفي توقيع اتفاق بين واشنطن وطهران لإقناع المنطقة بأن الحرب انتهت فعلاً؟ التجارب السابقة لا تشجع على الإفراط في التفاؤل، فالشرق الأوسط ليس مكاناً تنتهي فيه الحروب بسهولة، وكثيراً ما تخرج الحروب من أبواب الاتفاقات بعدما تعجز عن البقاء في ساحات القتال، يتوقف إطلاق النار، لكن لا يتوقف تبادل الشكوك، تصمت الصواريخ، لكن الخرائط تواصل حركتها البطيئة تحت الطاولة، لهذا يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً، ليس: هل سيتحقق الاتفاق؟ بل: هل تستطيع الأطراف العيش معه بعد توقيعه؟
من السهل نسبياً الوصول إلى الورقة الأخيرة، لكن الأصعب هو التعايش مع نتائجها، في واشنطن سيقال إن القوة نجحت حيث فشلت المساومات، سيقال إن الضغوط الاقتصادية والعسكرية دفعت إيران إلى العودة إلى طاولة التفاوض، وستُقدَّم النتيجة باعتبارها انتصاراً للإرادة الأمريكية، في طهران ستُروى رواية أخرى، سيقال إن الجمهورية الإيرانية واجهت أعتى الضغوط ولم تسقط، وإنها دخلت التفاوض من موقع الصمود لا من موقع الانكسار، وإنها حافظت على الدولة وعلى النظام وعلى القدرة على التأثير في الإقليم، أما إسرائيل فستبحث عن مكانها في مشهد النصر، ستقول إن الضغوط التي مارستها طوال سنوات هي التي أوصلت الملف الإيراني إلى هذه اللحظة، وإن ما تحقق هو ثمرة سياسة طويلة من المواجهة والردع، هكذا يصبح الجميع منتصرين، وهنا تبدأ المشكلة، فالسلام الذي يخرج من رحم انتصارات متعددة يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية حتى يبقى حياً.
التاريخ يعلمنا أن أخطر لحظات السلام هي تلك التي يقتنع فيها الجميع بأنهم انتصروا بالكامل، عندها يبدأ كل طرف في البحث عن مكاسب إضافية، وعندها تتحول الاتفاقات إلى جولات جديدة للصراع، الشرق الأوسط يعرف هذه القاعدة جيداً، يعرف أن الاتفاقات لا تموت دائماً بسبب البنود الكبيرة، أحياناً تموت بسبب التفاصيل الصغيرة، بسبب تفسير مختلف لجملة واحدة، بسبب حادث أمني، بسبب تصريح أرعن متوتر، أو بسبب رغبة أحد الأطراف في تحسين شروطه بعدما هدأت العاصفة، ولهذا قد تكون فترة المفاوضات اللاحقة أخطر من الحرب نفسها، فالحرب واضحة في أهدافها وأدواتها، أما السلام فيعيش على الثقة، والثقة هي السلعة الأكثر ندرة في هذه المنطقة.
السؤال التالي يتعلق بإسرائيل: إلى أي مدى تستطيع واشنطن لجمها و إلزامها بمسار الاتفاق؟ السؤال قديم ومتجدد، الولايات المتحدة هي الحليف الأكبر لإسرائيل، وهي مصدر أساسي للدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، لكنها تدرك أيضاً أن إسرائيل لا تنظر إلى إيران بالطريقة نفسها التي تنظر بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بالنسبة إلى واشنطن، الملف الإيراني جزء من لوحة دولية أوسع تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية، أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإيران ليست مجرد ملف، إنها قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
وهنا تظهر الفجوة، واشنطن تريد منع الانفجار الكبير، إسرائيل تريد منع الخطر الكبير، قد يلتقي الهدفان أحياناً، وقد يفترقان أحياناً أخرى، لهذا سيكون على الإدارة الأمريكية أن تمارس مزيجاً دقيقاً من الضغط والإقناع والاحتواء، لا أحد يتوقع أن تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، لكن لا أحد يتوقع أيضاً أن تسمح بسهولة بانهيار اتفاق تعتبره جزءاً من إستراتيجيتها الأوسع، المعادلة معقدة، وستصبح أكثر تعقيداً عندما نصل إلى اسم واحد: دونالد ترامب، يصعب العثور على شخصية سياسية أمريكية أثارت من الجدل بقدر ما أثاره ترامب، الرجل يعشق المفاجآت، ويؤمن بأن السياسة ليست دائماً فن الثبات، بل أحياناً فن إرباك الخصوم والحلفاء معاً، قال أشياء كثيرة ثم قال عكسها، هدد ثم تفاوض، صعَّد ثم تراجع، هاجم الاتفاقات ثم عاد للبحث عن اتفاقات جديدة، لهذا فإن محاولة قراءة سلوكه وفق القواعد التقليدية قد تقود إلى استنتاجات مضللة، ترامب لا يتحرك دائماً وفق ما يقوله، وأحياناً لا يقول ما ينوي فعله فعلاً، لكنه في المقابل يتحرك وفق منطق يمكن رصده، إنه يحب الصفقات التي تحمل اسمه، ويحب البروز في المشاهد الكبيرة، ويفضل الإنجازات التي يمكن تسويقها سياسياً أمام الناخب الأمريكي، لهذا قد يكون أكثر حرصاً على حماية اتفاق يراه إنجازاً شخصياً، وقد يكون أكثر استعداداً للضغط على الحلفاء والخصوم معاً إذا شعر أن ذلك يخدم صورته السياسية، لكن المشكلة أن السياسة التي ترتبط بشخص واحد تبقى عرضة لتقلبات ذلك الشخص.
وهنا يعود الشرق الأوسط إلى عادته القديمة في القلق، فالمنطقة لا تخشى فقط ما يحدث، بل تخشى أيضاً ما يمكن أن يحدث فجأة، والتاريخ مليء بأمثلة عن حروب بدأت لأن الجميع اعتقدوا أنها مستبعدة، لهذا قد يكون السؤال الأهم مختلفاً تماماً عن كل الأسئلة السابقة، ليس من انتصر؟ وليس من خسر؟ بل: هل تعلمت المنطقة شيئاً من هذه الجولة؟ هل أدركت أن كلفة الحروب أصبحت أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال؟ هل فهمت أن الاستنزاف المستمر لا يصنع منتصرين حقيقيين؟ هل اقتنعت بأن الأمن لا يمكن أن يبنى فقط بالصواريخ، كما لا يمكن أن يبنى فقط بالاتفاقات؟ في اليوم التالي لأي اتفاق محتمل لن يتغير الشرق الأوسط دفعة واحدة، لن تتحول الأزمات إلى ذكريات، ولن تختفي المخاوف القديمة، لكن المنطقة قد تحصل على فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس، والفرص في الشرق الأوسط لا تقل أهمية عن الانتصارات، فالحروب تصنعها لحظات غضب قصيرة، أما الاستقرار فيحتاج إلى سنوات طويلة من الصبر، لهذا فإن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق المنطقة بعد توقيع أي اتفاق ليس من ربح الجولة الأخيرة، بل من يملك القدرة على منع الجولة التالية، ذلك أن الشرق الأوسط لم يكن يوماً فقيراً بالحروب، لكنه كان دائماً محتاجاً إلى سلام يستطيع البقاء.