د. الجيلالي عبد القادر شقرون
في عالم السياسة الدولية، غالبا ما تتجه عدسات الكاميرات نحو الوسطاء الذين يوقعون الاتفاقيات أمام العلن، لكن القصة الحقيقية تكتب دائما خلف الكاميرات، حيث يتحرك «مهندسو الظل» لصياغة المناخ الذي يجعل المستحيل ممكنا. هذا تماما ما شهده الإقليم مؤخرا مع بروز تفاهمات ومذكرات تفاهم دولية وإقليمية كبرى – لا سيما بين واشنطن وطهران – تهدف إلى تأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وإنهاء حالة الاستنزاف العسكري. وتاريخيا تمكنت المملكة العربية السعودية القيام بدور محوري في الوقوف ودعم القضايا العربية والإسلامية منذ نشأتها الحديثة، حيث برزت كفاعل رئيس في القضايا الإقليمية والدولية الكبرى، بدءا من دعم الشعوب المقهورة التي كانت تحت السيطرة الاستعمارية مثل الجزائر التي عانت من الإدارة الاستعمارية الفرنسية والتي استطاعت أن تدرج قضيتها في جدول هيئة الأمم المتحدة، وغيرها من القضايا العربية المهمة كالقضية الفلسطينية إلى يومنا هذا، وحماية مصالح الأمة الإسلامية ورغم تعدد القنوات والوساطات المباشرة، إلا أن المراقب المشهد الجيوسياسي يدرك بوضوح أن الدبلوماسية السعودية كانت بمثابة «حجر الزاوية» وغير المرئي، الذي أرسى قواعد هذا التحول الكبير، معلنةً عن مرحلة جديدة من الريادة العربية القائمة على «القيادة بالاستقرار».
ولم تكن المقاربة السعودية للملفات الإقليمية الساخنة مجرد ردود أفعال، بل جاءت مدفوعة برؤية استباقية صارمة. لعل النقطة التحولية الأبرز تمثلت في الموقف الاستراتيجي الحاسم للمملكة بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها كمنطلق لأي مغامرات عسكرية أو ضربات متبادلة في المنطقة.
هذا الموقف الصارم لم يكن مجرد إعلان حياد، بل كان «فيتو دبلوماسي» ذكي عزل خيارات الحرب وفرض على القوى الكبرى والإقليمية مساراً واحداً لا بديل عنه: الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومن خلال هذا الحزم، نجحت الرياض في تأمين بيئة إقليمية هادئة سمحت للوساطات الأخرى بأن تؤتي ثمارها، مؤكدة أن أمن الخليج واستقرار ممراته المائية كشريان للاقتصاد العالمي هو خط أحمر لا يقبل المناورة.
والريادة السعودية المتجددة في العالم العربي اليوم لم تعد ترتكز على أدوات النفوذ التقليدية فحسب، بل باتت تقدم نموذجاً ملهماً لـ «ربط الأمن بالتنمية». فمنذ انطلاق رؤية 2030، تبنت الرياض فلسفة سياسية واضحة: لا ازدهارا اقتصاديا مستداما دون بيئة إقليمية صفرية الصراعات.
من هذا المنطلق، تحولت السياسة الخارجية السعودية من «إدارة الأزمات» إلى «تفكيكها». ولم يعد الهدف مجرد تهدئة مؤقتة أو هدنة عابرة، بل بناء شبكة أمان إقليمية قائمة على احترام سيادة الدول، وبناء الثقة، وتحويل الشرق الأوسط من ساحة لتصفية الحسابات الدولية إلى مركز جذب اقتصادي عالمي. هذه الرؤية هي التي منحت المملكة الشرعية والمباركة لقيادة الموقف العربي والخليجي، وتوظيف ثقلها الاقتصادي كأداة ضغط وتوازن لإنجاح الاتفاقيات الكبرى.
عاصمة القرار الجديد
تثبت التحولات الراهنة لعواصم القرار الدولي -من واشنطن وبكين إلى موسكو وبروكسل- حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها: أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن يكتب لها النجاح أو الديمومة دون التنسيق الكامل والمباركة من الرياض.
إن قيادة المملكة اليوم في سياستها التي تنتهجها تعيد صياغة مفهوم الريادة في العالم العربي، فهي ريادة لا تبحث عن الهيمنة، بل عن الشراكة، ولا تغذي الانقسامات، بل تجسر الفجوات. ولذا ارتباط الترحيب السعودي ببند فتح مضيق هرمز وإزالة الألغام يعكس وعيا عميقا بأن استقرار أسواق الطاقة العالمية هو صمام الأمان للاقتصاد الوطني والإقليمي، كأكبر مصدر للنفط، يمثل تأمين الممرات المائية مصلحة سعودية عليا تتقاطع مع مصالح القوى العظمى (بما فيها الصين وأوروبا)، مما يضع الرياض في موقع الطرف الذي يحمي المصالح الدولية الإستراتيجية.
والتحول الأبرز في ريادة السعودية الإقليمية هو الانتقال من مرحلة سياسة المحاور والتجييش إلى مرحلة القيادة بالاستقرار. تدرك المملكة أن ناطحات السحاب، والمشاريع السياحية الكبرى، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كلها تتطلب شرطا أساسيا وهو إقليم هادئ وقابل للتنبؤ. بناء عليه، فإن الحياد الإيجابي والدفع نحو إنجاح الاتفاقيات يمثل حماية للمشروع التنموي السعودي الداخلي قبل كل شيء.
لم تعد الرياض طرفا يسهل استقطابه في الصراعات الدولية؛ بل باتت تلعب دور المرجعية الإقليمية التي يجب على واشنطن وبكين وموسكو التنسيق معها مسبقاً لضمان ديمومة أي اتفاق في الشرق الأوسط.