غسان برنجي
في صباح يوم اعتيادي داخل إحدى الجهات الحكومية، كان أحد الموظفين يجلس أمام شاشة حاسوبه محاطاً بعشرات الملفات ورسائل البريد الإلكتروني والتقارير التي تنتظر المراجعة. اعتاد أن يبدأ يومه بالطريقة نفسها منذ سنوات؛ قراءة المراسلات، استخراج البيانات، إعداد التقارير الدورية، ثم متابعة سلسلة طويلة من الاجتماعات التي غالباً ما تنتهي بقوائم جديدة من المهام. كان يعتقد أن هذه طبيعة العمل التي لن تتغير، وأن الخبرة تُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الإنسان خلف مكتبه.
لم يتغير المكتب، ولم يتغير المدير، ولم تتغير أهداف الجهة، لكن شيئاً آخر دخل إلى بيئة العمل وبدأ يعيد تشكيلها بهدوء. أصبح الموظف نفسه ينجز التقارير خلال دقائق بدلاً من ساعات، ويستطيع تلخيص عشرات الصفحات بضغطة زر، ويصل إلى المعلومة التي كان يبحث عنها سابقاً بين مئات الملفات خلال ثوانٍ معدودة. لم يفقد وظيفته، كما كان يتخوف البعض، لكنه اكتشف أن وظيفته لم تعد كما كانت.
هذه القصة لا تخص موظفاً واحداً، بل تمثل مشهداً يتكرر اليوم في مختلف القطاعات السعودية. وفي الحقيقة، ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي يشهد فيها سوق العمل تحولاً بهذا العمق وبهذه السرعة في الوقت ذاته. فالذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية مستقبلية تُناقش في المؤتمرات أو تُعرض في المعارض التقنية، بل أصبح واقعاً يومياً يدخل المكاتب والمدارس والمستشفيات والمصانع والبنوك وحتى الهواتف المحمولة التي نحملها في جيوبنا.
عندما بدأت الثورة الصناعية قبل أكثر من قرنين، خشي كثير من الناس أن تحل الآلات محل البشر. وعندما ظهر الحاسب الآلي في المؤسسات، تكرر الخوف نفسه. وعندما انتشر الإنترنت، اعتقد البعض أن وظائف كاملة ستختفي. وفي كل مرة كانت التكنولوجيا تغير شكل العمل، لكنها في الوقت نفسه تخلق فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعيد كتابة القصة ذاتها، ولكن بوتيرة أسرع من أي مرحلة سابقة.
في المملكة العربية السعودية، يأتي هذا التحول في توقيت بالغ الأهمية. فالمملكة تمضي بخطى متسارعة نحو اقتصاد رقمي أكثر تنوعاً وكفاءة، وتستثمر بشكل كبير في البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. وبينما تنفذ الجهات الحكومية والشركات الكبرى برامج تحول رقمي واسعة النطاق، أصبح السؤال الذي يتردد في المجالس والاجتماعات وورش العمل أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: ماذا سيحدث للوظائف؟
وربما يكون السؤال نفسه مضللاً لأن القضية لم تعد تتعلق باختفاء الوظائف بقدر ما تتعلق بإعادة تعريفها، ومن السهل أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافساً للإنسان، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فمعظم الوظائف لا تتكون من مهمة واحدة يمكن استبدالها بالكامل، بل من مجموعة مهام بعضها روتيني وبعضها يعتمد على الخبرة البشرية والحكم المهني والتواصل واتخاذ القرار. ما يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم هو أنه يبدأ أولاً بالمهام الأكثر تكراراً وقابلية للأتمتة.
خذ على سبيل المثال موظف خدمة العملاء. قبل سنوات كان يقضي معظم وقته في الإجابة على أسئلة متكررة ومتشابهة. اليوم تستطيع أنظمة المحادثة الذكية التعامل مع نسبة كبيرة من هذه الاستفسارات بشكل فوري وعلى مدار الساعة. لكن هذا لا يعني اختفاء دور الموظف، بل تحوله نحو معالجة الحالات الأكثر تعقيداً التي تحتاج إلى فهم أعمق وتعاطف أكبر وقدرة على اتخاذ القرار.
الأمر نفسه ينطبق على الأعمال الإدارية، وإدخال البيانات، وإعداد التقارير، والمهام الروتينية التي كانت تستهلك وقتاً كبيراً دون أن تضيف قيمة استراتيجية حقيقية. هذه الأعمال ستكون من أكثر المجالات تأثراً خلال السنوات القادمة، ليس لأنها ستختفي تماماً، وإنما لأن طريقة تنفيذها ستتغير جذرياً.
ومن المفارقات المثيرة أن الوظائف الأكثر عرضة للتأثر ليست بالضرورة الوظائف الأقل تعليماً أو الأقل أجراً. فبعض المهن المكتبية التي تعتمد على معالجة المعلومات قد تتأثر أسرع من وظائف ميدانية أو فنية تحتاج إلى تفاعل بشري مباشر. لذلك فإن مستوى التأثير لن يعتمد على المسمى الوظيفي بقدر ما يعتمد على طبيعة المهام التي يؤديها الموظف.
وفي المقابل، تظهر فرص جديدة بسرعة لافتة. فكل تقنية جديدة تحتاج إلى من يطورها ويشغلها ويحكم استخدامها ويدير مخاطرها ويضمن توافقها مع الأهداف المؤسسية. ولهذا السبب نشهد ارتفاعاً متزايداً في الطلب على خبراء البيانات، ومهندسي الذكاء الاصطناعي، ومتخصصي الأمن السيبراني، وخبراء الحوسبة السحابية، ومديري التحول الرقمي، وقادة التغيير المؤسسي.
لكن المثير للاهتمام أن أكثر الوظائف طلباً في المستقبل قد لا تكون تلك المرتبطة بالتقنية وحدها. فكلما ازدادت قدرات الآلات، ازدادت أهمية المهارات الإنسانية التي يصعب استنساخها. القدرة على القيادة، والتفاوض، والإقناع، وبناء العلاقات، وفهم المشكلات المعقدة، واتخاذ القرارات في البيئات غير الواضحة، ستصبح أكثر قيمة من أي وقت مضى.
قبل فترة قصيرة، سألني أحد الشباب حديثي التخرج عن أكثر تخصص آمن للمستقبل. كان يتوقع إجابة مرتبطة بتخصص جامعي معين أو شهادة مهنية محددة. لكن الحقيقة أن مفهوم «الوظيفة الآمنة» نفسه بدأ يتغير. فالمستقبل لن يكافئ أصحاب التخصصات فقط، بل أصحاب القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات.
فالخطر الحقيقي ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، بل أن يحل شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي محل شخص لا يستخدمه.
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها ربما تلخص ما يحدث اليوم في سوق العمل العالمي والمحلي. الموظف الذي يتقن استخدام الأدوات الذكية يستطيع إنتاج عمل أكبر بجودة أعلى وفي وقت أقل. والمدير الذي يفهم إمكانات التقنية يستطيع اتخاذ قرارات أفضل. والمؤسسة التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها ستتفوق على منافسيها الذين ما زالوا يعتمدون على الأساليب التقليدية.
ومع ذلك، فإن التحدي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في إدارة التغيير الذي تفرضه. فالكثير من المؤسسات تستثمر في الأنظمة والمنصات، لكنها تكتشف لاحقاً أن العائق الحقيقي ليس تقنياً بل بشرياً. مقاومة التغيير، والخوف من المجهول، وضعف المهارات الرقمية، وعدم وضوح الرؤية المستقبلية، كلها عوامل قد تحد من الاستفادة الكاملة من هذه التقنيات.
ومن هنا تظهر أهمية الاستثمار في الإنسان بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا. فالمؤسسات الناجحة خلال السنوات القادمة لن تكون تلك التي تمتلك أفضل الأنظمة فقط، بل تلك التي تمتلك أفضل الكفاءات القادرة على توظيف هذه الأنظمة لتحقيق نتائج ملموسة.
ولعل ما يميز التجربة السعودية اليوم أنها لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية فحسب، بل كعامل تمكين اقتصادي وتنموي. فالحديث لم يعد مقتصراً على تحسين الإنتاجية أو خفض التكاليف، بل يمتد إلى خلق صناعات جديدة، وتطوير خدمات أكثر كفاءة، وتمكين كوادر وطنية قادرة على المنافسة عالمياً.
ومع دخول عام 2026، ستصبح بعض المشاهد أكثر شيوعاً. سنرى فرق عمل أصغر تحقق نتائج أكبر. وسنرى موظفين ينجزون ما كان يحتاج سابقاً إلى فرق كاملة. وسنرى قرارات تعتمد بشكل متزايد على البيانات والتحليلات الذكية، وسنشهد ظهور أدوار وظيفية جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
لكن وسط كل هذه التغيرات، سيبقى هناك عنصر لا يمكن استبداله بسهولة: الإنسان.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل ملايين البيانات، لكنه لا يمتلك الحكمة التي تأتي من التجربة. ويمكنه اقتراح الحلول، لكنه لا يتحمل مسؤولية القرار. ويستطيع كتابة النصوص، لكنه لا يفهم دائماً الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية كما يفهمها الإنسان.
ولهذا فإن مستقبل العمل لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة جديدة بينهما. شراكة يتولى فيها الذكاء الاصطناعي الأعمال المتكررة والمعالجة السريعة للمعلومات، بينما يركز الإنسان على التفكير والإبداع والقيادة واتخاذ القرار.
وعندما ننظر إلى سوق العمل السعودي في عام 2026، قد يكون من الخطأ أن نسأل: ما الوظائف التي ستختفي؟ لأن السؤال الأكثر أهمية هو: ما المهارات التي يجب أن نمتلكها لننجح في عالم يتغير بهذه السرعة؟
الجواب يبدأ من القدرة على التعلم، والاستعداد للتغيير، وفهم أن التطور المهني لم يعد رحلة تنتهي بالحصول على شهادة أو وظيفة، بل أصبح مساراً مستمراً من التكيف والتطوير وإعادة اكتشاف الذات.وفي النهاية، لن يكون الفائز هو من يقاوم التغيير، ولا من يخشاه، بل من ينجح في تحويله إلى فرصة. فالذكاء الاصطناعي ليس نهاية قصة العمل البشري كما يتصور البعض، بل بداية فصل جديد منها. فصل ستُكتب فيه قصص نجاح جديدة، وستظهر فيه مهن جديدة، وستتغير فيه قواعد المنافسة. أما السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام كل فرد ومؤسسة فهو: هل نستعد لهذا الفصل الجديد، أم نكتفي بمشاهدته وهو يُكتب أمام أعيننا؟