منصور بن صالح العُمري
يتسلل الليل على الكون بسكونه المهيب، مرخياً سدوله السوداء وكأنه يطوي بين ثناياه أسرار النهار الخالية. يسود صمت عميق، وتتوارى الحركة، ويخيل للناظر أن الحياة قد توقفت عند عتبة العتمة، وأن الضياء قد رحل دون رجعة.
لكن المتأمل في ملكوت هذه الأرض يعلم أن تحت هذا الرداء القاتم تدور حركة لا تهدأ. في عمق التربة الجافة، تبدأ بذور منسية بالتململ، تستمد من ظلمة الأرض وقوة الصبر طاقة تشق بها الصخر غداً. وفي أعالي السماء، تحتجب النجوم خلف السحب لتعود أكثر بريقاً حين ينجلي الغمام.
الأشياء العظيمة كلها تُولد في صمت الهدوء الذي يسبق الفجر. الشجر الذي تساقطت أوراقه في الخريف لا يعلن الحداد، بل يقف شامخاً في وجه الريح، يختزن في عروقه ماء الحياة ليصنع ربيعاً قادماً يحمل أزهاراً أبهى وأثمر. الأرض لا تضيق بظلامها، لأنها موقنة بنظام كوني لا يضل، يعقب فيه السمر إشراق مبهج.
ما من عتمة دامت، وما من ريح عصفت إلا ولها نهاية مكتوبة. الحياة أوسع من أن تُختزل في لحظة ركود، والكون يهمس في كل ثانية بأن التحول هو السُنّة الثابتة، وأن وراء الأفق المحجوب متسعاً كبيراً ينتظر الإذن بالظهور.