د. جمال الراوي
جمع أحد الكتاب الفرنسيين -كما يروى- ما كتب ورسم على جدران الحمامات العمومية في فرنسا، ثم ضم ذلك في كتاب، وقال إن هذا الكتاب يحمل بين دفتيه الثقافة الحقيقية للفرنسيين؛ لأنه يكشف ما لا تقوله الخطب الرسمية، ولا تظهره الكتب المدرسية، ولا تجرؤ عليه المقالات المهذبة، بل يظهر ما يختبئ في أعماق الناس من رغبات، وشتائم، ومخاوف، وأحلام، وأوهام، وصور من التفكير لا تجد طريقها إلى العلن في الأحاديث المنظمة.
وهذه الفكرة -على غرابتها- ليست بعيدة عن الصواب؛ لأن المجتمعات لا تعرف فقط بما تكتبه في دساتيرها، ولا بما ترفعه من شعارات، ولا بما يردده مثقفوها في الندوات، وإنما تعرف -أيضًا- بما يتفلت منها حين تغيب الرقابة، ويسقط التكلف، ويأمن الإنسان من المحاسبة والنظر الاجتماعي.
فالإنسان له لغة رسمية، يتجمل بها أمام الناس، وله -في كثير من الأحيان- لغة أخرى خفية، تخرج من أعماقه حين يظن أنه صار في مأمن من العيون.
وهذه اللغة الثانية قد تكون أصدق في التعبير عن خباياه، وإن كانت أخس وأقبح وأدنى.
ورغم أن المجتمعات الغربية -ومنها المجتمع الفرنسي- تتغنى بحريتها الفكرية واتساع هامش التعبير فيها، فإن الإنسان فيها لا يزال يخفي كثيرًا مما في داخله، لا لأن الحرية غائبة تمامًا، بل لأن النفس البشرية تظل -في كل مجتمع- محكومةً بقيود قانونية، وأخرى اجتماعية، وثالثة نفسية.
فثمة أفكار قد لا يجرؤ صاحبها على إعلانها، لا خوفًا من الخطأ فقط، بل خوفًا من الملاحقة، أو الفضيحة، أو السقوط من أعين الناس.
ولهذا تبحث تلك الأفكار عن منافذ جانبية، تتسرب منها في الرسوم السوقية، أو العبارات البذيئة، أو النكات القذرة، أو التعليقات المجهولة، أو الجدران التي لا يسأل أحد عمن كتب عليها.
وهذا لا يخص الفرنسيين وحدهم، بل يكاد يكون قانونًا بشريًا عامًا؛ فللمجتمعات ثقافتان: ثقافة عليا معلنة، تتكلم بلغة القيم والمبادئ، وثقافة أخرى مستترة، يظهر فيها ما تخفيه الرقابة الاجتماعية من خير أو شر، ومن سمو أو انحطاط، وقد تدل أحيانًا على العدوانية وانفلات الغرائز.
ومن هنا يمكن فهم جانب من اللغة الشوارعية التي تتردد على ألسنة الأطفال والصغار في كثير من البيئات؛ فإن الطفل -في الغالب- لا يبتكر هذا المعجم القبيح من عند نفسه، وإنما يلتقطه من محيطه، من البيت أحيانًا، أو من الشارع، أو من الكبار، أو من رفاقه الذين التقطوه بدورهم من مصادر أخرى.
فالسباب الفاحش، والطعن في الأعراض، والقذف، والألفاظ السوقية، ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي شظايا ثقافية خرجت من بيئة ما، ثم انتقلت على الألسنة حتى صارت مألوفة.
ولذلك فإن اللغة التي ينطق بها الأطفال ليست دائمًا كلامًا طفوليًا بريئًا، بل قد تكون -في بعض الأحيان- مرآةً لما يدور خلف الجدران، أو لما يختزنه الوسط الاجتماعي من انحطاط لفظي وأخلاقي.
فالطفل قد ينطق الكلمة وهو لا يدرك معناها الكامل، لكن الكلمة نفسها تكون شاهدةً على عالم سابق عليه، انتقلت منه إليه.
وفي زمننا هذا، لم يعد الشارع وحده هو المسرح الذي تتكشف فيه هذه اللغة المستترة، بل حلت مواقع التواصل الاجتماعي محل كثير من الأزقة والساحات والجدران.
فهناك، خلف الشاشات، وتحت أسماء وهمية، أو حسابات مستعارة، يشعر كثير من الناس بأنهم قد تحرروا من الملاحقة الاجتماعية المباشرة؛ فيرخون العنان لما في صدورهم، ويصبون على الصفحات تعليقات تفيض بالسوقية، أو الحقد، أو السخرية، أو الفجور، أو انعدام التربية.
وقد يكتب أحدهم في التعليق الواحد ما لا يجرؤ أن ينطق بحرف منه لو وقف أمام الناس وجهًا لوجه.
وقد يتجاوز الخلاف في الرأي، أو المعارضة لفكرة أو كاتب، إلى استباحة الشخص نفسه، والطعن في أمه، أو زوجته، أو بناته، أو نسبه، أو كرامته، وكأن الخصومة الفكرية أصبحت في نظره رخصةً أخلاقيةً للفجور في القول.
وهنا تظهر حقيقة مرة: أن كثيرًا من الناس لا يختلفون مع خصومهم بعقولهم، بل يهاجمونهم بمخزونهم التربوي المنهار.
فإذا عجز أحدهم عن مناقشة الفكرة، انحدر إلى الشخص، وإذا ضاقت حجته، اتسع فحشه، وإذا خسر منطقه، أطلق شتائمه.
وقد راجعت في ذاكرتي كثيرًا من الألفاظ الشوارعية التي تزخر بها مجتمعاتنا، فوجدتها -في معظمها- تدور حول الأعراض والأنساب والشتائم الجارحة، بطريقة تكشف عن خراب عميق في الذوق، بل وفي الوعي الأخلاقي نفسه.
وعدت أتذكر أبواب حمامات المدارس والحمامات العامة، وما كان يكتب عليها من كلمات شائنة ورسوم خليعة، فعلمت أن هذه الأشياء لم تكن تظهر من فراغ، ولم تكن مجرد عبث صبياني عابر، بل كانت تدل على وجود روافد خفية تغذيها: من كلام مسموع، وتربية مهملة، وبيوت تتسرب منها الألفاظ الملوثة، فتسقط على أسماع الصغار، ثم تخرج منهم إلى المجال العام.
ومن هنا نفهم أن الثقافة الحقيقية لأي شعب لا تقاس فقط بما يكتبه نخبته، ولا بما يعلنه ساسته، بل تقاس -أيضًا- بما يتسرب من أفراده حين يظنون أن أحدًا لا يراهم، أو حين يتكلمون في المناطق التي يخلعون فيها أقنعتهم.
فإذا أردت أن تعرف صورة المجتمع الرسمية، فانظر إلى كتبه ومنابره ومؤسساته.
أما إذا أردت أن تقترب من وجهه الخفي، فانظر إلى لغته حين تنفلت، وإلى تعليقاته حين تتخفى، وإلى شتائمه حين يغضب، وإلى نكاته حين يبتذل، وإلى ما يكتبه على الجدران أو الشاشات حين يظن أنه في مأمن من الفضيحة.
فهناك، في تلك المناطق السفلية من الكلام، لا تظهر البلاغة، بل تظهر التربية. ولا يظهر العلم، بل يظهر المخزون الحقيقي. ولا يظهر التهذيب الرسمي، بل يظهر ما استقر في الأعماق.
ولهذا فإن المجتمعات قد تنجح طويلًا في تلميع صورتها العلنية، لكنها قد تكشف أحيانًا عن مخزونها الكامن أكثر مما تبديه في أزماتها السياسية والاقتصادية؛ لأن الاقتصاد قد يتعافى، والسياسة قد تتبدل، أما الألفاظ التي تنفجر من الأعماق فهي تخبرك -بغير مجاملة- عن مقدار ما بقي في النفوس من نقاوة أو ما تراكم فيها من عيوب.
ولا يعني ذلك أن كل ما يختبئ خلف الستار سلبي بالضرورة؛ فلكل مجتمع أيضًا ثقافته الخفية المضيئة، التي تظهر في أعمال الخير التي تفعل بعيدًا عن الأضواء، وفي مواقف المروءة والإحسان التي لا تبحث عن تصفيق ولا شهرة. غير أن المقال هنا يتناول جانبًا آخر من الثقافة المستترة؛ ذلك الجانب الذي يتسرب عبر اللغة المنفلتة، والشتائم، والتعليقات المجهولة، وما تكشفه من طبقات عميقة في البنية الأخلاقية للمجتمع.
فإذا أردت أن تعرف ثقافة شعب حقًا، فلا تنظر فقط إلى ما يقوله وهو واقف على المنصة، بل إلى ما يكتبه حين يظن أنه اختفى، وما يتلفظ به حين يغضب، وما يعلمه لصغاره دون أن يشعر.. فهناك، حيث تسقط الزينة اللفظية، يبدأ الوجه الحقيقي بالظهور.