د.خالد بن عبد الكريم البكر
يمتاز الدرس التاريخي الأكاديمي بمنهجيته القادرة على استثمار عددٍ من المهارات (أو الأدوات العقلية) في بناء المتن العلمي وعرض أفكاره بصورة منطقية. من هذه المهارات: الربط، والتحليل، والتفسير، والنقد، والاستنتاج. ومنها أيضاً مهارة المقارنة (أو الموازنة) بين حقبتين - فأكثر- من الزمن، أو بين فكرة وفكرة، أو بين شخصية ونظيرتها، أو بين حادثة ومثيلتها، أوبين حالة وأخرى.
هذا المنهج المُقارٍن (بكسر الراء وكذلك بفتحها) هو من صميم عمل الباحث في التاريخ، الذي يجد نفسه -عادةً- أمام فجوات زمنية تستدعي الافتراض، أو تناقضات في الروايات تستلزم الفحص، أو غيرها من إشكالات البحث التاريخي التي يُعالجها قلم المؤرخ بالمهارات المُشار إليها أعلاه، فإن هي استعصتْ على الحلّ لجأ إلى المقارنة لتوليد الفكرة واشتقاق المعنى من المعنى.
وليس كثيراً أن نقول إن (المقارنة) تجد مداها الزمني الواسع في ميدان التاريخ أكثر من غيره من العلوم، ما يعطيها فرصة أكبر للظهور ووضعها موضع التطبيق. ثم إن (التاريخ) يتجاوب مع الدراسات المُقارنة لكونه يضم أشباها ونظائر، وحوادث مُتماثلة وقعت في أزمنة مختلفة أو أماكن متباينة، ولعل في ضمِّ الأشباه إلى نظائرها، وردّ اللاحق على السابق، ما يُمكّن المؤرخ من الظفر بأجوبة لأسئلة عالقة. إذ قد تعترضه إشكالات تاريخية في زمنٍ مخصوص أو مكانٍ مُحدّد فلا يجد لها حلولاً في فترة البحث ولا في إطاره المكاني. لكنّه قد يصل إلى مقاربة الجواب في زمنٍ آخر، أو في مكانٍ مُختلف، وذلك عن طريق المُقارنة. سواء أكانت المُقارنة بمعناها المُقيّد - بحدود البحث - أم بمعناها المُطلق المُتجاوز.
رغم كل هذه الفرص التي يوفرها المدى الزمني الطويل في التاريخ، لتفعيل المنهج المُقارن والاستفادة منه؛ إلا أن الدراسات التاريخية لم تعتنْ بعدُ بهذا المنهج المقارن، ولم تلتفت إلى إمكاناته البحثية والعلمية، إذ لا يزال أمره عندها مجرد أداة (اختيارية) اسمها (المقارنة) وهي - كغيرها من أدوات النقد، والتحليل، والاستنتاج- قد يستعملها بعض الباحثين في صفحات معدودة لمقارنة الروايات ببعضها، أو في حالات محدودة لمقارنة الحوادث بمثيلاتها، لا أكثر! في حين كان من المُنتظر أن تتحول هذه (المُقارنة) العابرة إلى (علم تاريخ مُقارن) يُوازن بين الروايات، والحوادث، ثم لا يقتصر عليها؛ وإنما يمضي في مقارنة مصادر التاريخ (المُتماثلة) ببعضها على اختلاف أزمنتها وتباين أمكنتها، فيكشف الأثر، والمؤثر، والمتأثر. ويُوازن بين مؤرخٍ ومؤرخ، فيقف على جذور الفكر التاريخي وتطوره، ويَرُدُّ على المُبدعين الأوائل حقهم في الريادة. ثم يمضي إلى ما هو أبعد فيُقارن المفاهيم التاريخية بين بيئةٍ وأخرى، وبين زمنٍ وزمن. ثم لا يزال يمضي ويمضي في هذه المقارنات التاريخية حتى تتسع مباحثها وتتشعب موضوعاتها إلى أن يستقيم لنا منها مسارٌ مُتميّز بنفسه ضمن مسارات الدراسات التاريخية، يصطف إلى جوار مسار التاريخ السياسي، ومسار التاريخ الحضاري. وشيئاً فشيئاً سيكون لهذا المسار الجديد باحثوه وبحوثه، وسيكون له أساتذته المختصون به. وأكبر من ذلك كله؛ هو أن هذا التجديد المنهجي -المُرتجى- باستحداث (علم التاريخ المُقارن) سيُسهم في تهيئة الذهنية البحثية لتعمل على تحويل الحوادث التاريخية إلى أفكار ومفاهيم بعد فحصها وملاحظة أوجه التشابه والاختلاف فيما بينها. وسوف يَمُدُّ في أفق الباحث في التاريخ، فلا يتقوقع في إطار مكاني محدد، ولا يتمترس خلف فترة زمنية معيّنة أمضى شطراً من سنوات عمره في دراستها. وإنما حاز بإحدى يديه التخصص الدقيق في موضوعٍ من الموضوعات بإطاره الزمني ونطاقه المكاني، وتناول باليد الأخرى عوالم من التاريخ.
هذا التوصيف النظري لما يتركه (علم التاريخ المُقارن) من أثر إيجابي على متن البحوث التاريخية، وعلى ذهنية الباحثين في التاريخ؛ سيُفضي إلى تحولات منهجية، تتمثل في دراسة التاريخ بشكل عمودي «رأسي» وعدم الاقتصار على دراسته بشكل أفقي كما هو شائعٌ أكاديمياً. وبيان ذلك هو أن الباحث (وفق المنهج المُقارن) حين يَعمد إلى ظاهرةٍ من ظواهر التاريخ فيلتمس بواكير نشأتها، ثم يرصد تطوراتها وتشكلاتها عبر العصور؛ فإنه من الناحية العملية قد أفلت من أسْر الزمن (أو الإطار الزمني الضيّق لفترة البحث)، واستثمر هذا التاريخ العابر للزمن ليُقارن، ويكتشف، ويُثري المعرفة التاريخية. فهو هنا لا يتقيّد بفترة زمنية ضيّقة، وإنما يتسع في إطاره الزمني إلى ما قبلها بعقود أو قرون، وإلى ما بعدها بعقود أو قرون، شريطة ألاّ يتجاوز تخصصه الدقيق حتى لا يغرق في أمواج التاريخ. فالمطلوب منه هو أن يبحث في التاريخ لا أن يبحث كل التاريخ!
على أن الحديث عن استدعاء (المنهج المُقارن) لدراسة التاريخ بشكل عمودي؛ لا ينفي -بالطبع- دراسته بشكل أفقي. فالمُقارنة بين مُجتمع ومجتمع، أو بين حالة تاريخية وأخرى، في فترة زمنية واحدة؛ هي أيضاً من صميم علم التاريخ المُقارن، ولها نفس الفوائد المرجوّة في حلّ المشكلات ذات العلاقة بالمتن التاريخي، وفي رصد أثر الاختلاف المكاني في إنتاج التاريخ. في صناعته وكتابته.
أفضنا - فيما تقدم أعلاه - في الإشادة بمحاسن (علم التاريخ المقارن) وإمكاناته في إثراء المعرفة التاريخية، وتطوير التفكير التاريخي. ونُضيف إلى ذلك أهميته في تصحيح بعض الحوادث التاريخية المُلتبسة، وفي تصويب ما أخطأ فيه مؤرخ أو سَها عنه. حتى إن (ابن خلدون) اعتبر المُقارنة في التاريخ أصلاً من أصول ضبط أغاليط المؤرخين، فوصف أوهام بعض المؤرخين في حوادث تاريخية، بقوله: «لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها».
كم أتمنى لو أن أقسام التاريخ في الجامعات أدرجت ضمن خُططها الدراسية مادة بهذا المُسمّى (علم التاريخ المُقارن)، وبالذات في مرحلة الدراسات العليا، على أن يتطور الأمر لاحقاً إلى استحداث مسار أكاديمي بهذا المُسمّى، تُكتب فيه بحوث مُحكّمَة، وتُنجز رسائل علمية جامعية، فيكون للتاريخ مسارٌ معلوم في هذا المجال، أسوةً بمن سبقه من التخصصات الإنسانية إلى هذا المسار، كعلم اللغة المُقارن، والأدب المُقارن، والفقه المُقارن.
عندئذ؛ سنتحول مع المُقارنة من النظرة المُبصرة إلى النظرية المُستبصرة.
** **
أستاذ التاريخ الإسلامي بقسم التاريخ - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة الملك سعود