د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
هذا عنوان كتاب جليل في أصول الفقه، هو دراسة وشرح لنظم (مرتقى الوصول إلى الضروري من الأصول) لأبي عاصم الغرناطيّ (ت829هـ)، جاء الكتاب في 982 صفحة، ظهرت طبعته الأولى في جزءين، نشرته دار اللؤلؤة في المنصورة- مصر عام 1447هـ/ 2025م، واعتنى بالنظم دراسة وشرحًا دارس مدهش عاشق للعربية وعلومها ولأصول الفقه، هو الدكتور أبوعاصم مهند بن محمد بن عليّ آل مَغْثَم. وأما كونه مدهشًا فلأنه طبيب أسرة؛ وإنما طلب أصول الفقه طلب العلماء القدماء الذين يجمعون بين العلم والحرفة.
اشتهرت العربية بنظم العلوم الذي هو قمّة التمكن من العلم حتى استطاع العالم أن يزوي مصطلحات العلم ومفرداته في منظومة يتلقاها طلبة العلم بالقبول، ومنها منظومة الغرناطي، قال الدارس الشارح الفاضل في مقدمته الموجزة «فإن لنظم الشيخ أبي بكر ابن عاصم الغرناطي من المزيَّة والفضيلة ما يُعد معه من التصانيف العالية في تأصيل وتقرير مسائل علم أصول الفقه، وقد رزقني الله الاشتغال به مدَّةً مديدة، ورأيتُ من الحقِّ لهذا النظم إفراده بدراسة أتبعها بتوفية معانيه بشرح مختصرٍ يحلُّ الغامض من كلامه، ويكشف عن مراد النّاظم وقصده»(ص7).
قسم الكتاب أربعة أقسام: دراسة النظم، ونص النظم محققًا وشرح النظم والفهارس. والدارس الشارح أفرد النظم ثم أعاده مشروحًا وكان الأولى في نظري أن يجتزئ بالشرح؛ لأنه متضمن النظم ويمكن حينئذ ترقيم أبيات النظم وإبرازها، ويكون النظم وشرحه متنًا وتحقيق النظم حاشية، ولا بأس أن يجعل نص النظم ملحقًا للكتاب.
ذكر الدارس الشارح أن «موضوع نظم مرتقى الوصول هو في نظم مسائل علم أصول الفقه، كما ذكر الناظم ذلك في صدر منظومته فقال:
لِذَا اسْتَعَنْتُ اللهَ فِي تَيْسِيرِ
عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّقْرِيرِ
فِي هَذِهِ الأُرْجُوزَةِ الْمَشْطُورَهْ
وَهْيَ عَلَى تَأْصِيلِهِ مَقْصُورَهْ
وأما مباحث النَّظم فقد تعرَّض النَّاظم في نظم المرتقى إلى خمسة أبواب من أبواب أصول الفقه، وهي: المقدِّمات العقلية، والمقدِّمات اللُّغوية، والأحكام الشَّرعيّة، وأدلَّة الأحكام الشَّرعيّة المتفق عليها والمختلف فيها، والاجتهاد والتَّقليد والتَّعارض والتَّرجيح» (ص19).
وعدد الدارس الشارح الكتب التي كانت استمداده في نظمه ومصادره، ذكر منها كتاب (تقريب الوصول) لابن جُزي في 105 موضع، وكتاب (مختصر ابن الحاجب) في 61 موضعًا، وكتاب (الموافقات) للشَّاطبيّ في 38 موضعًا، وكتابَي (شرح تنقيح الفصول وشرح نفائس الأصول) للقرافي في 9 مواضع، وكتاب (المستصفى) للغزالي في 9 مواضع.
جعل الدارس الشارح دراسته في ثلاثة عشر فصلًا، الفصل الأول: مقدمة عن الناظم عن اسمه ومولده، وشيوخه وتلامذته، وثبت مصنفاته، وتاريخ وفاته. والفصل الثاني: تحقيق عنوان النظم ونسبته إلى الناظم، والفصل الثالث: موضوع النظم ومباحثه، وقد ذكرتها سابقًا، والفصل الرابع: ترتيب النظم والمقارنة بين ترتيبه وترتيب كتاب الوصول لابن جزي، ذكر فيه أنّ الناظم تابع غالبًا ترتيب جده لأمه ابن جزي، وبيّن ما بين عمل الناظم وجده من فرق من حيث الزيادة، والحذف، والتقديم، والتأخير، ثم ضمُّ فصل إلى آخر، ثم سرد الترتيب الذي اختاره الناظم. والفصل الخامس: استمداد الناظم في نظمه ومصادره، وذكرته سابقًا، والفصل السادس: التعريفات في النظم، وفيه سرد لأربعة وتسعين تعريفًا ضمنها النظم، وذكر أرقام البيوت التي وردت فيها، والفصل السابع: الاستدلالات الواردة في النظم، وفيه سرد للاستدلالات الواردة في النظم، وجعلها الدارس في جدول تبين أرقام البيوت ومحل الاستدلال ووجهه. والفصل الثامن: التمثيل في النظم، وهو جدول يضم ما جمعه الدارس من مُثُل الناظم ويبين الجدول أرقام البيوت، واللفظ المستعمل، وما ورد من المثل للتأصيل، بلغت المثل 93 مثالًا. والفصل التاسع: المسائل الخلافية الواردة في النظم، وهو جدول يضم جملة من المسائل الخلافية، يبين الجدول عنوان المسألة وبيان أمِن دون سرد أقوال أشير إلى الخلاف أم بسرد أقوال، أذكرت الأدلة أم لم تذكر، أحدّد نوع الخلاف وثمرته أم لا، أكان ترجيحا أو اختيارا. وقد بلغت المسائل 114 مسألة، والفصل العاشر: الأعلام الواردة في النظم، وهو جدول فيه أسماء 19 علمًا مرتبين حسب عدد مرات الورود. والفصل الحادي عشر: إفادات متفرقة حرص الدارس على بيانها وذكر مُثُلها، وهي أن الناظم لم يذكر أي مذهب من المذاهب الفقهية وإن ذكر أقوالًا لأعلامها، وأنه ينقل عن جده ابن جزي مسائل متعقبة، وأن نقله من موارده لا يعني اعتماده عليها مطلقًا؛ إذ له تحريرات وآراء، وأن للناظم اختيارات خاصة في ترتيب بعض المسائل، وأنه قد يورد مسائل في غير مظانِّها، وأنه لم يذكر مذهب الإمام أحمد سوى مرة واحدة، وأنه لم يذكر مذهب أهل الكلام سوى مرة واحدة مع تعرضه لأقوالهم ونقله عمن يذكرهم. والفصل الثاني عشر: العناية بالنظم، وفيه بين أن المنظومة حققت ثلاث مرات، وبين وقوفه على خمسة شروح للنظم مطبوعة وعلى شرحين لَمّا يطبعا. وكان يجمل بالدارس الشارح أنبين الفرق بين عمله وعمل سابقيه، ولكنَّه قال في ح(1) ص(89): «سبق أن عملتُ على تحقيق النظم قديمًا اعتمادًا على مخطوط الإسكوريال، ثم وقفت على تحقيق الشَّيخ أحمد مزيد الشنقيطي للنَّظم وتتبعته فوجدته قد أتقنه وأجاده -شكر الله له- وقد يُثبِت أشياء في الحاشية هي أولى بأن تكون في الأصل، ولولا أن الشرح محتاجٌ إلى أن يُسبق بالنظم - لأنَّه نصُّ الشرح وعمدته- وللحاجة إلى مراعاة التَّقاسيم والعناوين التي وضعتُها تقريبًا وتيسيرًا على الحافظ والقارئ؛ لاكتفيت بالإحالة على تحقيق الشَّيخ أحمد - وفقه الله -». والفصل الثالث عشر سماه (منهجي في شرح النظم)، يقصد بالمنهج طريقته في الشرح، إذ ضبط نص النظم، وقسم النظم خمسة أقسام وفقًا للناظم وجده ابن جزي، وراعى الفصول وفاق تفصيل الناظم وجعل لها عنوانات مستفيدًا من كتاب ابن جزي، وقسم النظم تقسيمًا موضوعيًّا مناسبًا لمراد الناظم، عنون للمسائل وميزها بخط تحتها، وشرح النظم معتمدًا على موارد الناظم وعلى غيرها، وعزا الآيات وخرّج الأحاديث وأحال المنقولات إلى مظانّها وبين الغريب وصنع للنظم كشافات مختلفة، ولكن الأمر الذي فات الدارس الشارح أن يرقّم بيوت النظم؛ فقد أهمل ترقيمها في نصّ النظم وفي شرحه مع أنه في الدرس يشير إلى أرقام البيوت.
الكتاب ثمرة معرفة دقيقة بعلم من أصعب العلوم وأدقها، وهو علم أصول الفقه، وما تصدى الدارس الشارح الطبيب أبوعاصم لإخراج هذا الكتاب في أبهى صورة وأجمل حلة إلا لشغفه بعلم الأصول ولرسوخ قدمه في معرفة هذا العلم.
ولعل هذا الكتاب من أجدر الكتب بتقريب هذا العلم لطلابه بوضوح عبارته وسلاسة أسلوبه، وفق الله أبا عاصم وجزاه عن العلم وطلابه خير الجزاء.