أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
لعلَّه قد تبيَّن خلال المساقات السابقة أنَّ طامَّتنا الثقافيَّة ليست في الأدب وحده، ولا في الرواية وحدها، وإنَّما هذان تجلِّيان لشبكةٍ أعمق من العُقَد اللُّغويَّة والثقافيَّة والحضاريَّة، تسري في الذات العَرَبيَّة، تربيةً وتعليمًا ونُضجًا حضاريًّا. ومن ثَمَّ لا غرابة أن تؤدِّي حواراتنا عادةً إلى (لا نتيجة)، بل إلى نتائج عكسيَّة، من تأجيج الخلافات القديمة والصراعات المطويَّة. ولا عجب أن تُفضي بعض الممارسات التي تُسمَّى ديموقراطيَّة إلى ما تُفضي إليه من فوضى و«مليشيَّات»؛ لأنَّ العقل غير المهيَّأ لثقافة الحِوار، سيظلُّ مُزايِدًا، مُدَّعيًا، مُزوِّرًا للأقوال والحقائق، والمجتمع غير المهيَّأ للديموقراطيَّة كذلك سيتحوَّل إلى قطعان من «العناتر» المدجَّجين بأسلحتهم، يأخذون المجتمع إلى القلاقل وتعطُّل المصالح، وربما إلى الحروب الأهليَّة. ولذا فإنَّ كثيرًا من مضامين الرواية العَرَبيَّة تعكس عقليَّتنا وثقافتنا وأمراضنا، لا بالمعنى الإيجابيِّ الذي يمكن أن يعكسه العمل الأدبيُّ عن مجتمعه، ولكن بصورةٍ استنساخيَّة لوجوه تلك العقليَّة والثقافة والأمراض البدائيَّة التقليديَّة، الهادفة باستمرارٍ إلى إقصاء الفريق الآخَر، ونفي اسمه وحضوره. حتى وصل الأمر إلى كتابة روايةٍ لا لشيء سِوَى لتَرُدَّ على روايةٍ صدرت عن حزبٍ نقيض! أي أنَّنا ما زلنا في أحراش (جرير) و(الفرزدق) النقائضيَّة، محافظين وليبراليِّين، يلعن أحدنا الآخَر، ويكيد له كيدًا بكلِّ وسيلة، بما فيها وسائل الكتابة والأدب، تحت دعوَى التنوير والتغيير وكشف المسكوت عنه. ولا تنوير، ولا تغيير، ولا كشف مسكوت عنه، وإنَّما تهارش قبائل وانتماءات وولاءات وتعصُّبات، لا يمكن أن تؤسِّس في واقعها المشهود مجتمعًا ثقافيًّا حضاريًّا، تتعايش فيه جميع الأطياف والرؤى على اختلاف مشاربها. قلت لـ(ذي القُروح)، وقد كاد يخرج من إهابه:
ـ والخلاصة؟
ـ الخلاصة أنَّ فكرة «الأدبيَّة» المغلوطة لا تحمي الخطابات النَّزِقة، المضادَّة للمجتمعات وأعرافها بحالٍ من الأحوال، تحت ذريعة الحُرِّيَّة أو التعبير؛ فالحُرِّيَّة معروفة، والتعبير مفهوم، والأدب معلوم، وليست تلك الشعارات بشمَّاعاتٍ مقبولةٍ لتُلقَى عليها تفاهات النفوس وأمراض العقول وعَتَه الأقلام.
ـ في المقابل، ماذا عن الأدب الوعظي؟
ـ لستُ أدري- إنْ لم تكن واهمًا- لِـمَ وصفته بـ«الوعظي»؟ وما مفهوم الوعظيَّة لديكِ؟
ـ الوعظي...
ـ لاحظ أنَّ هذا ضربٌ من التصنيف المضادِّ، الذي تنفر منه! ما الوعظي؟
ـ هو ما يدعو إلى العِبرة، دون أن يُقدِّم بالضرورة تعليلاتٍ مقنعةً عقليًّا، وإنَّما يتَّكئ على النُزوع الإيماني.
ـ أنْ نصفَ كلَّ ما يدعو إلى مراجعة القِيَم، والسلوكيَّات، بالوعظيِّ، فيعنى ذلك أمرين: أنَّنا نُصِرُّ على أن نُتبع نفوسنا هواها- مغمضي العيون- وأن نُقصي مَن يحاول تنبيهنا إلى الهاوية، بحُجَّة أنَّه: واعظ، ومثالي! والمفارقة هنا أن تُصبح «العِظة» و«المثاليَّة» سُبَّةً، ونقيضهما مِدْحة!
ـ الإشكال هنا أنَّ الأسلوب الوعظي يتنافَى مع طبيعة الأدب.
ـ لكلِّ حادث حديث. حينما يكون المتحدِّث ناقدًا أدبيًّا، يتحلَّى بالعِلميَّة والموضوعيَّة، لا ناقدًا مؤدلجًا، فلا خلاف معه. أمَّا حين يأتيك القائل من خندق الأدلجة أو الجهل، وهو لا يعرف ما طبيعة الأدب أصلًا وما وظيفته، فيقال له، عندئذٍ، أرِنا عَرض كتفيك:
ما أنتَ بالحَكَمِ الـتُرْضَى حُكُوْمَتُهُ
ولا الأصيلُ ولا ذي الرَّأْيِ والجَدَلِ!
ـ مَن الشاعر؟
ـ هذا بيت شاع وذاع، وحفِّظناه، صِغارًا وكِبارًا، على أنه للفرزدق، ولكن ليس في ديوانه المطبوع، ولا حتَّى في مستدركات ديوانه.(1) نسبَه (الأزهري) في «تهذيب اللُّغة»(2) إلى الفرزدق. ونقل ذلك عنه (ابن منظور)، كالعادة، في «لِسان العرب».(3) ومن المشتغلين بالنحو، ووَرَثَة نِسْبَتِه إلى الفرزدق (عبدالقادر البغدادي)، في «خزانة الأدب»(4). وقد مرَّ على كلامه، (عبدالسلام محمَّد هارون)، المنعوتُ بشيخ المحقِّقين، مَرور الأَضِرَّاء، بلا تحقيق، ولا توثيق، ولا تعليق. ومن المحدَثين (محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد)، في «شرح ابن عقيل»؛ فحين وجد أنَّ ابن عقيل قد أورده بغير نِسبة؛ تطوَّع هو فنسبَه إلى الفرزدق، بلا توثيق، وساق حوله قصَّةً طريفة.(5) وهكذا فالبيت ضائع، كمعظم تراثنا، والمحقِّقون- أو مَن ينعتون بالتحقيق- يمرُّون على ذلك غالبًا صمًّا وعميانًا! فلا تسألني أسئلة تثير الشجون من هذا النوع!
ـ كيف ليس في مستدرك ديوانه؟
ـ وهذا من أعجب العجب! يبدو أن الباحثَين اللَّذين حاولا أن يستدركا على ديوانه، لم يمرَّ بهما ذلك البيت المشهور، الذي نسبَه إليه غير واحدٍ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليحقِّقا صحَّة نِسبته أو لينفياها. إنَّ مَن يتابع ما يحدث في شؤون تحقيق التراث في عالمنا العَرَبي لا يصدِّق ما يحدث! أمَّا (الفرزدق)، فيبدو أنْ قد تواكلته طوالع الشؤم، بدعوةٍ من (جرير)، فلم يحظ بجمع شِعره وتحقيقه جمعًا وتحقيقًا عِلميًّا يليق به. وإنَّما هي أمشاجٌ بائسة، يستنسخ بعضها بعضًا، في منافساتٍ تجاريَّة غالبًا.
ـ ما لفتَ نظري توالي استشهادك بالفرزدق!
ـ يبدو أنَّه كان يثير حفيظة النُّحاة، فنسبوا إليه من الشِّعر والحكايات ما يصحُّ وما قد لا يصح!
ـ نعود إلى أدب الوعظ والدعوة والإرشاد!
ـ سَمِّه ساخرًا كما يحلو لك! غير أنَّ ما يُنعَت بهذا النعت لإقصائه، ليس وعظيًّا أحيانًا، وإنَّما هو «وَعْيِي»، إذا جاز القول، وداخلٌ في (النقد الثقافي). ولا يَعيبه، بحالٍ، أن تكون منطلقاته غَيرةً دِينيَّة، إلَّا لدَى من بات يرى الغَيرة الدِّينيَّة عيبًا في التكوين المعرفي والثقافي! ثمَّ ألا ترى أنَّ الطَّرَف الآخَر يَعِظ بطريقته الخاصَّة أيضًا؟! أعني أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو على جبهةٍ من صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه هو الآخَر، ربما الشيطانيَّة، مهاجمًا أفكارًا بأفكار، وسلوكيَّات بأخرى، وتوجُّهات بتوجُّهات مضادَّة، داعيًا مخلصًا إلى تركيبةٍ اجتماعيَّةٍ معيَّنة، وأنماط حياتيَّة يحبِّذها. فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل، لتقريب المعنى: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة- العَرَب منهم بخاصَّة- قد يعجبك من أحدهم «قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ!» يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطابٌ أُصوليٌّ مسيَّسٌ أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك، ولا ليبراليَّة، ولا علمانيَّة، ولا يفرحون! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنه لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالقفز من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر!
* مرفأ:
إذا ما كُنْتَ تَسْمَعُ نَبْضَ عَيْـنِيْ
فمِلْءُ العَـيْنِ ساكِنُها جَمَالا
وكَمْ حُـرٍّ يُكَـبِّلُـهُ جَمِيْـلٌ
وكَمْ عَـبْدٍ يُـحَـرِّرُهُ، اعتِقَالا
هِـيَ الدُّنـيا وما فِيها؛ فـأَنَّـى
تُقَطِّعُ مِن عُرَى الدُّنـيا الحِـبَالا
بَـلِ الدُّنْـيَا تَزُوْلُ وعَاشِقُـوْهَا
ويَـأْبَـى وَجْـدُ عَاشِقِهَا زِيَـالا
وأَعْجَبُ ما رَأَيْـنا في المَـرَايـا
جُـنُـوْنٌ عَارِيًا يَفْرِيْ الرِّمَـالا
وما هُوَ واصِلٌ في الأُفْقِ عِشْقًا
ولا استَدْنَى لِوَاصِلَةٍ وِصَالا!
**__**__**__**__**__**
(1) يُنظَر: النهار، طرَّاف طارق، «المستدرك على ديوان الفرزدق»، مجلَّة الآداب، كليَّة الآداب، جامعة ذمار، اليَمَن، العدد 4، يوليو 2008، ص288-312؛ محمَّد طالب الأسدي، «المستدرك على شعر الفرزدق»، مجلَّة اللُّغة العَرَبيَّة وآدابها، كليَّة الآداب، جامعة الكوفة، مجلد1 عدد 9، نيسان 2010، ص 251-282.
(2) يُنظَر: (أمس).
(3) يُنظَر: (أمس)، (لوم).
(4) يُنظَر: (1979)، خزانة الأدب ولُبُّ لُباب لسان العَرَب، تحقيق: عبدالسَّلام محمَّد هارون، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 32.
(5) يُنظَر: (1980)، شرح ابن عقيل على ألفيَّة ابن مالك، تحقيق: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، المسمَّى «منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل»، (القاهرة: دار التُّراث)، 1: 157.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)