عبدالعزيز بن سليمان الحسين
عرفت العاصمة الرياض قديماً منظومة من الأسواق الشعبية التي شكّلت ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ذلك الزمن. فمن سوق المقيبرة للخضار والفواكه، إلى سوق الزل، وسوق دخنة القابع قرب البوابة الجنوبية للمدينة القديمة، وصولاً إلى سوق الحراج للأغراض المستعملة، وأسواق الخرازين والماشية والعلف؛ تميزت كل سوق بطبيعتها ونشاطها التجاري الخاص الذي يلبي احتياجات المتسوقين.
ومن بين تلك الأسواق التاريخية، برز سوق الجفرة بنشاطه الاستثنائي؛ إذ ارتبط اسمه بمفهوم التمويل والتورق أكثر من ارتباطه بالتجارة التقليدية بمفهومها البسيط، حتى غدا المقصد الأول لمن يبحث عن السيولة المالية السريعة، في زمن سبق ظهور البنوك الحديثة وانتشار المؤسسات المصرفية.
يقع سوق الجفرة في منطقة الديرة (وسط الرياض)، وتحديداً جنوب جامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير). وكان قاصدو السوق يصلون إليه عبر ممر ترابي منخفض وضيق، تصطف على جانبيه دكاكين صغيرة متقابلة، تملؤها أكياس الأرز والسكر والقهوة والهيل والأقمشة، في صورة تختصر بساطة الأسواق القديمة وحركتها اليومية الدؤوبة.
وقد اعتمد أصحاب المحلات في سوق الجفرة على أسلوب التمويل عبر البيع بالأجل، ثم إعادة بيع السلع للحصول على النقد (الكاش)، وهي آلية كانت متداولة ومتعارفاً عليها آنذاك بين التجار وأصحاب الحاجات الملحة والمضطرين للحصول على سيولة مالية فورية.
وكانت بعض الصفقات تُبرم ببساطة شديدة وفق الأعراف السائدة؛ إذ يكفي أن يضع المشتري يده على البضاعة قائلاً: «حط يدك على البضاعة وقل: شريت»، فيجيبه البائع: «تم، بعتك بأجل لمدة كذا»، بحسب الاتفاق.
وفي الدقيقة نفسها، كان يتواجد أشخاص في الموقع يشترون البضاعة من مالكها الجديد، الذي يكون حريصاً على الحصول على النقد الفوري، بثمن أقل بكثير من سعر شرائها بالأجل. ونظراً إلى حاجته للسيولة، كان المشتري يوافق ويقبض الثمن.
وفي بعض الحالات، كان صاحب الدين (البائع الأصلي) يعيد شراء البضاعة بنفسه، أو يعمد بعضهم إلى تغيير مكان البضاعة تحقيقاً لشرعية البيع وفق فقه المعاملات، في منظومة تحكمها خبرة طويلة وحسابات دقيقة.
وتميّز باعة سوق الجفرة بالحزم الشديد والخبرة الواسعة، فلا تُبرم أي معاملة مالية إلا بضمانات قوية، كرهن العقار أو وجود كفيل مليء (مقتدر مالياً)، مع تشدد واضح في توثيق الحقوق وحفظها.
وكانت العبارة المتداولة بين أهل السوق: «العشر خمسة عشر»، وهي تعبير عن نسبة الربح المتعارف عليها آنذاك. وكانت الأرباح تختلف بحسب حاجة المستدين وظروفه، إلا أن النسبة الأشهر المتداولة باللهجة المحلية كانت: «العشر خمسطعش»؛ أي ربح خمسة ريالات مقابل كل عشرة ريالات، وربما تزيد النسبة بحسب مدة السداد وطبيعة الاتفاق.
وقد جعل هذا الأسلوب الصارم اسم الجفرة يرتبط في الوجدان الشعبي بصورة التمويل القاسي، أو ما يمكن تسميته اليوم بـ«التمويل الشرس»، فلم يكن يقصده إلا أصحاب الظروف الحرجة والاحتياجات الملحة.
ورغم القسوة التي اتسمت بها بعض تلك الصفقات، وارتفاع أرباحها في كثير من الأحيان، فإن سوق الجفرة أدى دوراً محورياً ومهماً في تنشيط الحركة التجارية وتوفير السيولة النقدية في زمن شحت فيه الخيارات المالية، ليظل هذا السوق اليوم جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الرياض الاقتصادية، وشاهداً يروي جانباً مختلفاً وعميقاً من تاريخ المدينة القديمة وكفاح أهلها.