شيهانة سعيد الشهراني
كثيرًا ما يَرِد على أسماعنا ويُشاهَد في كتابات أحدِهم مقولة: (لعنة الوعي)، في هذا المقال نبحث ما خَلْفَ الكلمات، ونتقصَّى ما وراء السطور بتساؤل شكِّيّ: هل الوعي لعنة؟ ولماذا؟
وهل من الضروري حتى تكون واعيًا أن تَعرف كلَّ شيء؟ ومتى يكون الفرد واعيًا؟
نعتقد أن هناك فَهْمًا يؤدي إلى (حقيقة الوعي)، وفَهْمًا -حسَب الأهواء- يؤدي إلى (لعنة الوعي)؛ ولتقريب الفهم نضرب مثالًا في قراءة المعرفة في الكُتب، ينتقي القارئ في فَهْم ما هو مسطورٌ في الكتاب من جهة، وتوافق مع المسطورٌ في أدمغته من جهة أخرى، وشتَّان بينهما؛ إذا يقتطف مما هو مسطورٌ في عقله؛ ليدعم فِكرته، ويُفسِّرها حسَب أهوائه، ثم يَسِير بها صارخًا بلعنة الوعي.
ومم لا شك فيه إنّ كل شيء في هذا الكون في تشابُك وتناقُض مستمرّ، بما في ذلك الوعي بما يدور حوله، والوعي ليس لعنةً في حقيقته، وإنما هو نورٌ وضياءٌ متى ما فتح أبوابًا من الأسئلة لا إجابات لها، ومتى ما أنبت في النفس قلقًا لا يهدأ، ورسخ تيقُّظًا وبصيرةً وانكشافًا؛ وفي الواقع الوعي والقلق صنوان لا يفترقان، يقول في ذلك أبو الطيِّب المتنبِّي في بيته الشعري الخالد:
ذُو الْعَقْلِ يَشْقَى فِي النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ
وَأَخُو الْجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ
وبناء عليه يظن بعض أصحاب «لعنة الوعي» أن المتنبي يقصدهم متحسِّرين على أنفسهم بشقاء لعنة وعيهم وفهمهم الغالب لما يخدم رؤيتهم، وقد آنَ الأوانُ أن يفهموا أن حريَّة التفكير لا تجلب الشقاء إلا لمن يشقى لإضاءةِ عقولٍ استحوَذَ عليها فكرٌ مهيمنٌ ووعيٌ موهومٌ في سبيل تقدُّمهم.
إنّ الشخص المتوهم بلعنة الوعي لا يسأل «لماذا»، ولا يبحث عن معرفةٍ ما، فنراه قانعًا مطمئنًا لا يُحقِّق ولا يُدقِّق؛ فهو قانعٌ بما سمعَهُ ورآه وقرأه، يمشي الهُوَيْنَا سعيدًا من الناحية النفسيَّة في حياته، لا يدفعه قلقٌ، ولا يُحرِّكه فهمٌ. أما نقيضُه فتراه يَشكّ في كلّ شيء، ويتحرَّى عن كل ما يسمعه ويشاهده، والشكُّ مرضٌ مُعْدٍ، فما إِنْ ينتهي من الشك في أمر حتى يبدأ التشكيك في أمرٍ آخر، وهكذا يُمضِي حياته يبدع من جهة ويشقى بشكِّه من جهةٍ أخرى.
ولا نعجب من تفشِّي (لعنة الوعي) في الأوساط الاجتماعيَّة اليوم، فالفكر البشري في هذا الزمان حين انفتح على الآخر المدني الحديث أصبح يرى تقاليدَ وأمورًا خارجةً عن فِكْرِه الضيق المحدود، فقد كان يسكن في القرية، ويسير على ما سَنَّهُ له الآباء والأجداد، لا يتساءل ولا يقلق، أما اليوم يحاول أن يُثِير الجدل بمحتواه الشكِّيّ والموسوم بلعنة الوعي ليثير التساؤل والقلق حوله، ويَسِير في نسَق الإبداع في الفكر والتجديد في المحتوى ليشقى بشقاء التفاعل والإعجاب.
وعندما يُثقلنا وعي الفهم يُثقلنا الصراع بين ما نراه صحيحًا، وبين فهْم الحقيقة وخلفياتها، ومدى قدرتنا على استيعابها وتحمُّل عبء نتائجها. وفي الناحية الأخرى يُجابهنا «التجاهل» وليس الجهل، في تلك اللحظة تحديدًا يتشكل فينا وعي من نوعٍ آخر، وهو وعي الاختيار؛ فتتجاهل ما تعرف دون أن تنشغل بكل ما تعرفه، والتجاهل ليس هروبًا بقَدْر ما هو وعيٌ بما يستحقُّ الانشغالَ وما لا يستحقُّه؛ فيفضّل تجاهل كل ما لا يمكن تغييره، وتتجاهل كل ما يسرق سلامك الداخلي وهدوءك النفسي، يقول شاعرنا السعودي وفقًا لذلك:
وَعُدْتُ مِنَ الْمَعَارِكِ لَسْتُ أَدْرِي
عَلَامَ أَضَعْتُ عُمْرِيَ فِي النِّزَالِ
ويقول شاعرنا أبو تمَّام:
لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَومِهِ
لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابِي
والمفارَقة الكبرى تكمن في عقلٍ يَتُوق إلى المعرفة، وقلبٍ يميلُ إلى الاطمئنان، والحكمةُ تكمُن في التوازن بينهما، فاسألوا الله الحكمة.
** **
- كاتبة وأكاديميَّة