أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
شهد الخطاب النقدي المعاصر تحولات عميقة ارتبطت بتبدل المرجعيات الثقافية التي تتعلق بالمعرفة، وتشكيل أنساقها التأويلية، وأسهمت هذه التحولات في إعادة النظر في كثير من المفاهيم المركزية التي ظلت مهيمنة على الوعي الثقافي، ولاسيما ما يتعلق بـ(الهامش) بوصفه موقعاً معرفياً وثقافياً قادراً على مساءلة الأطر التأويلية والمركزيات الكبرى التي هيمنت على تشكيل المعنى والقيمة في الثقافة العربية، وهذه التحولات الفكرية والاجتماعية لم تعد تكتفي بكشف آليات التهميش والإقصاء التي مارستها الخطابات المركزية، بل تجاوزتها نحو إعادة بناء تلك المركزيات من منظور تفكيكي يتجاوز ثنائية «الداخل/الخارج» أو «المتبوع/التابع».
وعندما نسترجع منجزات ما بعد الدراسات الثقافية ونقد التأويل، في تتبع لاستراتيجيات «الكتابة من الهامش»، نرى أنها تعمل على تفكيك المسلمات التأويلية الكبرى، وترصد الانعكاسات المنهجية لهذه التحولات على إنتاج المعرفة الثقافية وإعادة تشكيل أنساق القيم في السياق العربي المعاصر، وتبرز تجليات الهامش من خلال محاور عدة يجمعها: التأسيس النظري لمفهوم الهامش، وآليات اشتغاله في الخطاب العربي، والأصوات الجديدة الصاعدة من هوامش الثقافة، وأخيراً أفق التحولات المستقبلية.
وظلّ الهامش على مدار قرون طويلة مفهوماً سلبياً يحيل إلى ما هو خارج الاعتبار، ومُقصى من دائرة صنع المعنى، غير أن الفكر الفلسفي والنقدي في القرن العشرين أحدث انقلاباً جذرياً في طريقة النظر إلى هذه الثنائية، فمع (جاك دريدا) أصبح الهامش ليس مجرد فضاء للغياب، بل موضع تفكيك يكشف هشاشة المركز وتناقضاته الداخلية، كما أسهمت أعمال (ميشيل فوكو) في تحويل التحليل من دراسة بنى السلطة إلى تتبع آليات الإقصاء والحجب التي تُنتجها خطاباتها، وفي هذا الإطار لا يُعرَّف الهامش بما هو مكاني جغرافي، بل بما هو موقع نقدي وإبداعي يتشكّل حيث تخترق الأصوات المسكوت عنها جدار الصمت، ويبدو الهامش -في هذا السياق- ليس مكاناً للخسارة، بل هو مكان للمقاومة، وأن القيام من الهامش لا يعني الانتقال إلى المركز، بل إعادة تعريف شروط الوجود نفسها.
ويعكس هذا المفهوم في السياق العربي مساراً تاريخياً عميقاً، فالثقافة العربية عرفت دوماً هوامش خلّاقة، مثل: شعر المنفى، والكتابة النسوية المحتجبة ، كلها كانت تُقاوم في صمت مشكِّلةً ذاكرة موازية ضد المركز، لأن (الهامش/ المركز) جدلية لا تنتهي، كما أن العلاقة بين الهامش والمركز ليست ثنائية جامدة، بل جدلية متحركة، ولاحظ المنظّرون في الدراسات الثقافية أن كل مركز كان في مرحلةٍ ما هامشاً، وأن كل هامش يحمل في طياته بذوراً مركزية مستقبلية، وهذا ما يجعل خطاب الهامش في جوهره خطاباً انتقالياً لا ثورياً فحسب، وإنما تأسيسياً لأطر جديدة من المعنى.
وأسهم خطاب الهامش في تحويل النقد الأدبي العربي من نقد معياري يحكم النصوص بمقاييس جمالية قارّة إلى نقد كشفي يتساءل: من يملك سلطة تعريف الجمال؟ ومن يُقرر ما يستحق الاحتفاء وما يُهمَّش؟
وأدى ذلك إلى إعادة اكتشاف نصوص وأصوات ظلت على هامش القانون الأدبي طويلاً كأدب المهجر، والكتابة الأنثوية،غير أن أبرز تجليات هذا التحوّل في النقد العربي المعاصر، ظهور قراءات جديدة لأعمال كانت مُصنَّفة في خانة الهامش: الروايات الشعبية، والسيَر الذاتية المهمّشة، والكتابات التي تُخاطب التجارب اليومية للفئات المُقصاة من خطاب النخبة، وفي هذا الإطار أصبح الهامش مُنتِجاً للمعنى، لا مجرد مستهلك له.
وربما لا يكون مجال اشتغال خطاب الهامش أكثر حساسية وأعمق أثراً من مجال التأويل الديني في الثقافة العربية، فقد هيمنت لقرون تأويلاتٌ بعينها على الفضاء الديني، مانعةً لتأويلات أخرى من الحضور بذريعة الحفاظ على الوحدة العقدية والدفاع عن الثوابت، غير أن العقود الأخيرة شهدت ظهور خطابات دينية هامشية تُعيد تأويل النص من منظور أكثر وضوحاً لتعقيدات الواقع وحاجات الإنسان المعاصر.
ويمكن الإشارة إلى أن هذه الخطابات لا تسعى بالضرورة إلى نقض الأصول، بل كثيراً ما تُعيد الاستدلال بها من مناطق مختلفة داخل التراث نفسه، مستحضرةً الآراء الفقهية المُهمَّشة والتيارات الكلامية المُقصاة وتفسيرات الأقليات العلمية التي اندثرت تحت ثقل المركزيات التأويلية السائدة.
يُضاف إلى ذلك أن التراث العربي الإسلامي يمثّل ساحة امتياز لاشتغال خطاب الهامش، ذلك أن هذا التراث لم يكن أبداً كتلة متجانسة ومتطابقة كما رسّخت بعض السرديات الكبرى، بل هو فضاء متعدد الأصوات، مليء بالجدل والاختلاف والمواقف المغايرة التي دُفنت تحت طبقات التنميط اللاحق، وأتاحت الدراسات التاريخية الحديثة استعادة كثير من هذه الأصوات المهمّشة، فإعادة قراءة التراث من منظور الهامش لا تعني تزويره أو إسقاط معطيات الحاضر على الماضي، بل تعني الانتباه إلى ما أُسكت وما هُمِّش، وتتبُّع آليات الإقصاء التي أفرزت صورةً مُبسَّطة ومُنقَّحة ونمطية لتاريخ أكثر ثراءً وتعقيداً مما تُصوِّره السرديات الرسمية.
ويرسم الواقع العربي اليوم جغرافيا معقدة من الأقليات والمجتمعات المُهمَّشة التي ظلت في هامش السردية الوطنية والثقافية الكبرى، ولعلّ أبرز تجليات خطاب الهامش في الثقافة العربية المعاصرة يتجلى في الكتابة النسوية وما أحدثته من زلزلة في الخريطة الثقافية والنقدية، فقد عمدت الكاتبات العربيات على اختلاف مشاربهن إلى كسر الصمت المفروض ومواجهة السردية الأحادية التي احتجزت المرأة في أدوار بعينها وحرمتها من حق إنتاج المعنى عبر صوتها الخاص، كما أن العقود الأخيرة أفرزت ظاهرة لافتة حيث تحوّلت هذه الأصوات من موضوع يكتب عنه إلى ذات كاتبة تعيد صياغة المشهد بأدواتها وأسئلتها الخاصة، أدب ذوي الاحتياجات الخاصة، وخطاب الفئات الاجتماعية المُقصاة اقتصادياً كلها تُمثّل هوامش أصبحت مُنتِجة للمعنى، وعكست تلك الأصوات المهمشة وعياً مزدوجاً بالإبداع والنقد، فهي لا تكتفي بالسرد، بل تُفكك البنى التي هيمنت على تعريف من يحق له السرد ومن لا يحق له، وهذا الأمر أحدث تحولاً في ما يُعدّ أدباً جديراً بالاهتمام، وفي الأسئلة التي تُطرح على النص، وما يُميّز هذه الأصوات -أيضاً- أنها لا تسعى ببساطة إلى الانضمام إلى قائمة السرديات الكبرى، بل تُعيد السؤال عن أُسسها وشرعية احتكارها لتعريف الهوية الجماعية، وتطرح سؤالاً جوهرياً: أيّ مركزية تستحق أن تكون مركزاً؟
ولا يمكن الحديث عن صعود خطاب الهامش في السياق العربي المعاصر دون الإشارة إلى الأثر المحوري الذي أدّاه الفضاء الرقمي اليوم، فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي والمدوّنات والمنصات الرقمية فرصة تاريخية لأصوات لم تكن تملك قبل ذلك سوى خيار الصمت أو الإبداع في الخفاء.
وأسهمت هذه التحولات فيما يمكن تسميته «ديمقراطية المعنى»، فلأول مرة في التاريخ، أصبح بمقدور شاعر أن يكتب من قرية نائية، وأن يُخاطب جمهوراً عابراً للحدود، وأصبحت الناقدة التي لا تحظى بمنبر أكاديمي قادرة على صياغة خطاب يُؤثّر في الجدل الفكري.
وربما تواجه خطابات الهامش مأزقاً بنيوياً كامناً في صميمها، فبمجرد أن ينجح الهامش في نفي اليقينيات المُهيمنة، يُغري نجاحُه بتحويله إلى يقين جديد ومركزية بديلة، وهكذا قد يُصبح خطاب التهميش نفسه أداةً لتهميش من لا يُشاركه في صياغته، حين يتحوّل من موقف نقدي إلى موقف سلطوي خطير، والوعي بهذا الخطر هو الشرط الأول لأي خطاب هامشي يدّعي التحرر الحقيقي، فخطاب الهامش الأصيل لا يسعى إلى الحلول محل المركز، وإنما إلى تفكيك منطق المركزية نفسها، وإرساء ثقافة تُؤمن بالتعددية لا بالتناوب.
إضافة لما سبق فإن خطاب الهامش يواجه اليوم تحدياً إضافياً يتعلق بالتوتر بين الخصوصية والعالمية، فمن جهة يستمد الهامشُ قوتَه من انتمائه إلى تجربة خاصة وملموسة لا تُختزل في منظومة فكرية كونية، ومن جهة أخرى يجد نفسه في حاجة إلى لغة مفاهيمية مشتركة تتجاوز حدود الخصوصية ليستطيع التواصل مع حوارات عالمية، وهذا التوتر لا يُمثّل ضعفاً بالضرورة، بل يمكن أن يكون مصدر إنتاجية نقدية حين يُوظَّف بوعي، فالخصوصية لا تعني الانغلاق، والانفتاح لا يعني الذوبان في العالمي وفقدان الخيط الرابط بتجربة بعينها.
إن الرهان الحقيقي لخطاب الهامش في السياق العربي المعاصر لا يتوقف عند لحظة التفكيك، بل يمتد إلى أفق بناء ثقافة مختلفة، ثقافة لا تُلغي التفاضل والنقد، بل تبنيه على أسس معينة، ولا تُقصي أصواتاً بناءً على هويتها، بل تُقيّم إسهاماتها بحسب ما تُضيفه إلى الفهم الجماعي.
وهذا يستلزم على المستوى المنهجي، تطوير أدوات تأويلية جديدة تعمل على ثلاثة مستويات متزامنة:
كشف آليات الإقصاء التاريخية التي أنتجت الهامش، وتمكين الأصوات المُهمَّشة من التعبير عن نفسها بلغتها الخاصة لا بلغة المركز، وبناء فضاء حواري لا يُلغي الاختلاف، بل يجعله مُنتجاً.
وفي هذا الأفق تتجلى «سلطة خطاب الهامش» في أجلى صورها، إذ ليست سلطة إحلال محل المهيمن، بل سلطة تغيير قواعد اللعبة التأويلية بالكامل، وجعل التعددية -ليس استثناءً مقبولاً- بل شرطاً لازماً لأي معرفة تدّعي أنها تنطق باسم الكل؛ لأن الهامش حين يأخذ حق الكلام، لا يكتب تاريخاً موازياً للتاريخ الكبير فحسب، بل يُعيد الكتابة من الجذور، مُذكِّراً بأن كل سردية ادّعت الشمولية كانت في حقيقتها انتقائية، وأن أيّ معرفة لا تسمع أصوات هوامشها هي معرفة منقوصة لا تعكس إلا جزءاً من الحقيقة.
وخلاصة القول: إن «خطاب الهامش» في السياق العربي المعاصر ليس ظاهرة عابرة أو موجة احتجاجية وقتية، بل تحولٌ بنيوي عميق في طريقة إنتاج المعنى الثقافي، وهو تحوّل لا يُهدّد الثقافة العربية في جوهرها، بل يُغنيها حين يُفتح الباب أمام أصوات طالما ظلّت خارج دائرة الضوء.
لذا فإن المهمة الثقافية المُلقاة على عاتق المثقف العربي اليوم ليست فقط الدفاع عن الهامش ضد إقصائه، بل إعادة بناء شروط حضارية تجعل الهامش ليس ملجأ المقهورين، لأن الحقيقة كثيراً ما تسكن في الأطراف لا في قلب ما هو مُعلن وراسخ ومقبول.