د. غالب محمد طه
في كل عام أجدني أعود إلى قراءة الهجرة النبوية، وربما مثل كثيرين غيرنا، نفتح هذه الصفحات القديمة ونحن نظن أننا نعرف القصة جيداً. فالأحداث معروفة، والأسماء مألوفة، والنهاية مستقرة في الذاكرة منذ زمن طويل. لهذا تتحول القراءة أحياناً إلى تكرار سريع لمعانٍ اعتدناها عن الصبر والتضحية والثبات، ثم نغلق الكتاب ونمضي.
لكن ما استوقفني هذه المرة لم يكن تفاصيل الرحلة نفسها، بل الطريقة التي ننظر بها إليها. نحن نعرف النهاية مسبقاً، بينما الذين عاشوا الحدث لم يكونوا يعرفون شيئاً عنها. كانوا يتحركون وسط واقع مفتوح بالكامل، بلا صورة لما سيحدث لاحقاً، وهذه الفجوة بين ما نعرفه اليوم وما عاشوه هم، هي ما يغيّب عنّا الكثير من معنى التجربة.
إذا نظرنا إلى مكة قبل الهجرة، نجدها مدينة تجارية نشطة، تتحرك فيها القوافل وتتشكل حولها قوة اقتصادية واجتماعية واضحة، لكنها في الوقت نفسه كانت تعيش توتراً داخلياً متزايداً بسبب رفض فكرة جديدة بدأت تتشكل. لم تكن المشكلة في ضعف الموارد، بل في ضيق المجال أمام الاختلاف، وهذا ما يتكرر كثيراً في التاريخ: المجتمعات لا تتعثر دائماً لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تتسع لما يخرج عن مألوفها.
ومن المشاهد التي تمر سريعاً في السرد، لقاء أم معبد الخزاعية بركب المهاجرين. امرأة تعيش في خيمة بعيدة عن كل ذلك الصراع، ترى رجلاً أنهكته الطريق وظروف المطاردة لكنها لم تره كجزء من حدث سياسي أو ديني، بل كإنسان في لحظة تعب شديدة. ومع ذلك التقطت فيه شيئاً مختلفاً؛ نوعاً من السكينة التي لا تتناسب مع ظرفه. كلماتها البسيطة عنه بقيت شاهدة على لحظة قصيرة، لكنها عالقة في الذاكرة حتى اليوم.
هذا النوع من اللحظات يذكّرنا بما ننساه دائماً؛ أن الأحداث الكبيرة لا تبدو كبيرة وهي تحدث.. ربما تبدو في أوانها مجرد أمر نود تجاوزه سريعاً، أو خطوة أخرى في يوم يشبه غيره من الأيام قبل أن يحولها التاريخ إلى منعطف كبير.
ولهذا تبدو الهجرة أقرب إلى تجربة بشرية تُعاش في لحظتها، لا قصة مكتملة تُقرأ من نهايتها. لم يكن الطريق عشوائياً، لكنه أيضاً لم يكن مضمون النتائج. كان هناك أخذ بالأسباب: التخطيط، وتوزيع الأدوار، والاستعانة بالدليل الخبير بالطريق، وإخفاء الأثر بوسائل بسيطة لكنها فعّالة. وفي النهاية، كل ذلك لم يكن ينفصل عن حالة من الإيمان العميق بما يقومون به، دون امتلاك أي ضمان لما سيأتي.
وعندما وصل الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، لم تنتهِ القصة، بل بدأت مرحلة مختلفة تماماً. بناء مجتمع جديد أصعب من الوصول إلى مكان آمن. المدينة لم تكن مكاناً جاهزاً للاستقرار، بل مجتمعاً يحمل تاريخه الخاص وتنوعه الداخلي، ويحتاج إلى تنظيم جديد للعلاقات بين مكوناته.
من هنا جاءت «صحيفة المدينة» كإطار ينظم العيش المشترك، ويضع قواعد للتعايش بين مكونات مختلفة، كما جاءت المؤاخاة لتخفيف أثر الانتقال الكبير الذي عاشه المهاجرون، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل أيضاً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
ولعل ما يجعل هذه التجربة حاضرة حتى اليوم هو أنها تطرح سؤالاً بسيطاً لكنه متكرر: ماذا يفعل الإنسان عندما تضيق به الحياة في مكانه، ولا يرى الطريق أمامه واضحاً؟
في كثير من الحالات لا تنهار المجتمعات بسبب صدمة كبيرة، بل بسبب تراكمات صغيرة: صمت طويل، خوف من السؤال، أو قبول تدريجي بالخلل. وفي المقابل، يبدأ التغيير الحقيقي حين يتحول الفرد من انتظار الظروف إلى محاولة فهم موقعه داخلها وإعادة ترتيب خطواته.
وما يلفت الانتباه اليوم أن الطريق الذي سلكه النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحبه لم يعد مجرد سرد تاريخي، بل أصبح مع مرور الوقت طريقاً يمكن تتبعه ومشاهدته. لكن هذه المعاينة الحديثة، بكل وضوحها، لا تنقل لنا شعور أولئك الذين ساروا فيه. بالنسبة لهم، كان الطريق مفتوحاً على الاحتمال، لا على المعرفة.
نحن نعود إلى هذه القصة ونحن نعرف نهايتها. أما هم، فلم يكونوا يعرفون سوى حقيقة واحدة بسيطة: أن البقاء في المكان نفسه لم يعد ممكناً، وأن عليهم أن يخطوا خطوة نحو المجهول، دون أن يروا ما ينتظرهم بعده.