إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في المساءات التي تمتزج فيها رائحة الألوان بعبق التاريخ، تولد الحكايا التي لا تنسى. وفي ليلةٍ جدّية غامرة بالضوء، أسدلت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة الستار عن النسخة التاسعة من جائزة ضياء عزيز ضياء للبورتريه. ليلة لم تكن كغيرها من الليالي؛ إذ توهجت تحت عنوان يلامس شغاف القلوب وأعماق الهوية الوطنية: «الملك سلمان.. الإنسان والإنجاز».
لم يكن المشهد مجرد حفل تكريم، بل كان مهرجاناً بصرياً لافتاً، ومحفلاً ثقافياً استثنائياً تلاقت فيه أجيال الفن ومبدعوه، في تلك الدورة احتشد 787 فنانًا وفنانة من 42 مدينة ومحافظة امتدت على طول خارطة المملكة وعرضها حيث قدموا أعمالهم الفنية للمسابقة وشاركونا إبداعاتهم في هذه النسخة ليرسموا معاً ملامح الملك القائد مستلهمين من مسيرته الحافلة بالبناء والعطاء معاني الإنسانية والإنجاز.
كانت الفرشاة هي اللسان واللون هو البيان، تسابق المبدعون لتوثيق سيرة ملكٍ ارتبط اسمه بنهضة الإنسان السعودي وبناء مقدرات الوطن، إن الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- لم يكن يوماً مجرد قائد سياسي بل هو المؤرخ الفذ والراعي الأول للثقافة والمثقفين في المملكة والقائد الذي آمن بأن الفنون هي مرآة الحضارة وذاكرة الأمم الحية، من هنا انطلقت الرؤى الفنية لتعبر عنه وعن ونظراته الاستشرافية للمستقبل وتفاصيل إنجازاته التي تتحدث عن نفسها في كل شبر من أرض المملكة العربية السعودية، تحولت قاعة الدكتور عبدالله دحلان بجامعة الأعمال والتكنولوجيا إلى محراب فني يضم 61 عملًا فنيًا تأهلت للمرحلة النهائية، لتقدم سرداً تشكيلياً ممتعاً يعكس ثراء التجربة السعودية وتعدد مدارسها التشكيلية وأساليبها الفنية.
ولكل قصة عظيمة خلف الكواليس يد تمهد لها الطريق وتعين على تحويل الرؤى إلى واقع ملموس، ولن نكون منصفين إن تحدثنا عن هذه الجائزة دون أن نعود بالذاكرة إلى بدايات التأسيس والانطلاقة الأولى، لقد ولدت هذه الجائزة ونمت بدعم ورعاية من صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود، هذا الاسم الذي يتردد صداه في أروقة الثقافة السعودية كواحد من أبرز المساهمين في دعمها نجح من خلال «ليان الثقافية» في تقديم مساهمة واضحة للحراك الثقافي والتشكيلي بالمملكة. فلم تكن «ليان» مجرد مؤسسة عابرة، بل تحولت إلى منصة تُعنى بإبراز الهوية العربية والسعودية والاحتفاء بالموروث الأصيل وتقديم الفن السعودي بصورة تليق بمكانته، لقد اهتم سموه بأن يكون الاستثمار في الإنسان ومبدعيه ركيزة أساسية فكانت جهوده ممتدة لرعاية الأفكار الرائدة وحين بزغت فكرة جائزة متخصصة في فن البورتريه التفت حولها الرعاية الكريمة لسموه ولـ «ليان الثقافية»، لتصبح اليوم الجائزة السنوية المتخصصة الأبرز في هذا الفن الدقيق على مستوى الشرق الأوسط بأكمله، إن الحضور الشخصي لسموه في الحفل الختامي وكلمته المُلهمة كانا بمثابة تأكيد متجدد على استمرار هذه المسيرة الثقافية ودليلاً على أن الدعم المؤسسي والفن يمكن أن يلتقيا لصناعة حراك ثقافي مميز يليق بالمملكة ورؤيتها الطموحة.
وتحمل الجائزة اسماً ووسماً لا يمكن تجاوزه في تاريخ الفن التشكيلي السعودي والعربي إنه الفنان القدير ضياء عزيز ضياء، الحديث عن ضياء هو حديث عن الذاكرة البصرية للمملكة ورحلة فنية ممتدة عبر العقود صاغ خلالها بفرشاته أروع اللوحات التي وثقت ملامح الإنسان والأرض والتحولات الاجتماعية، بدأ ضياء عزيز مسيرته الفنية في وقت كان فيه الفن التشكيلي يتلمس خطواته الأولى في البيئة المحلية، سافر وتأثر بالمدارس العالمية لكنه ظل وفياً لأصالته وبيئته السعودية، اشتهر بقدرته الفائقة والدقيقة على اقتناص الملامح الإنسانية في فن «البورتريه» فلم يكن يرسم الوجوه فحسب إنما يرسم الأرواح وينبش في مكنونات العيون ليخرج منها الحزن والفرح والأمل والكبرياء، ارتبط اسم ضياء بالريادة وعندما تُنسب الجائزة إليه فإنها لا تخلّد اسماً شخصياً فقط بل تكرّس منهجاً فنياً يقوم على الإتقان والعمق والالتزام بالهوية والذاكرة الوطنية، إن وقوف ضياء عزيز ضياء اليوم محكماً وموجهاً وملهماً للأجيال الشابة المشاركة في الجائزة هو بمثابة تسليم مشعل الإبداع من جيل الرواد إلى جيل الشباب ليظل فن البورتريه السعودي حياً متجدداً وقادراً على المنافسة عالمياً.
وراء هذا الألق المنظم، وهذا النجاح المستدام الذي نراه اليوم، يكمن جهد إداري وفني كبير قاده باقتدار وشغف الأستاذ محمد بن إبراهيم آل صبيح، مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة والمشرف العام على الجائزة على مدار تسع سنوات متتالية، لم يكن آل صبيح وفريق عمله الدؤوب مجرد منظمين يؤدون واجبهم بل كانوا مخلصين في عملهم، وبذلوا جهوداً مضنية في خدمة الثقافة ومحبين حقيقيين للفن. لقد واجهوا التحديات بالصبر وحوّلوا الأفكار البسيطة إلى مشروعات ثقافية وطنية كبرى تسهم في ترسيخ قيم الانتماء والهوية عبر لغة اللون، تسع سنوات من العمل المتواصل أثمرت لغة أرقام مذهلة تعبر عن حجم الإنجاز؛ فمنذ انطلاقة الجائزة، شارك فيها ما لا يقل عن 3,925 عملاً فنياً، وتنقلت موضوعاتها عبر 9 محطات فنية صنعت ذاكرة الجائزة، بدءاً من البورتريه العام، والشخصيات الوطنية، مروراً بالحصان العربي، والفن في مواجهة الجائحة، والمرأة السعودية، والسعودية الخضراء، والملك عبدالعزيز، والإبل، وصولاً إلى محطة «الملك سلمان» التاريخية. لقد نجح آل صبيح وفريقه في بناء شراكات إستراتيجية رائدة، تكللت بتعاون وثيق مع مبادرة «عبق الثقافة» بقيادة الدكتور عادل خميس، وجامعة الأعمال والتكنولوجيا التي احتضنت الحفل بكل كرم وترحاب ممثلة في رئيسها الدكتور عبدالله دحلان. هذا التشابك بين المؤسسات الثقافية، والقطاع الخاص، والجهات الأكاديمية، يعكس وعياً إدارياً فريداً يقوده آل صبيح، لضمان استمرار الجائزة وتوسيع أثرها المجتمعي والثقافي.
لم يكن الحفل الختامي مجرد إعلان للنتائج، بل كان تظاهرة ثقافية تضافرت فيها الفنون لتصنع لوحة متكاملة. صدحت في جنبات القاعة قصيدة الشاعر جاسر الأحمدي التي تغنت بالوطن وقادته، وانسابت نغمات الموسيقار الدكتور مدني عبادي لتداعب أسماع الحاضرين بنكهة الحجاز العريقة. واكتمل المشهد بأوبريت «مدلي الفنون السعودية» بمشاركة الفرق الشعبية التي قدمت لوحات فنية فلكلورية تمثل مختلف مناطق المملكة، لتؤكد أن الثقافة السعودية نسيج واحد غني بالتنوع والثراء.
وفي لحظة حبست فيها الأنفاس، أعلنت لجان التحكيم التي ضمت نخبة من كبار النقاد والفنانين كالفنان فهد الربيق والدكتورة سارة الزهراني وضياء عزيز ضياء، عن أسماء الفائزين العشرة بالنسخة التاسعة والذين صعدوا للتتويج. فتوّجت الفنانة إيمان اللويمي بالجائزة الأولى، وجاء الفنان فايع الألمعي في المركز الثاني، تلتهم الفنانة غيداء الدهري في المركز الثالث. كما صعدت منصة التكريم كوكبة من مبدعي ومبدعات جوائز التميز السبعة الذين أثروا المعرض بأعمالهم الاستثنائية وهم: سعيد الشهراني، فهد خليف، عبداللطيف الكرماني، ماجد المقرن، مها العسكر، منال بخاري، ومحمد صالح، ليكتمل عقد الفائزين العشرة المكرمين في هذه الدورة المتميزة من الجائزة.
إن هذا التدفق الفني الهائل، وتلك الأرقام القياسية التي سجلتها الجائزة بمشاركة المئات من أبناء وبنات الوطن من مختلف المناطق، لم تكن لتتحقق لولا تلك الروح الطموحة والهمة العالية التي باتت تسكن وجدان الشباب السعودي. إنها الهمة التي تستمد قوتها وصلابتها من جبل طويق، وتتحرك بيقين وثبات نحو صياغة مستقبل حضاري متفرد. لقد أثبت المبدعون والمبدعات من خلال خطوط فرشاتهم وألوانهم، أن طاقات الشباب السعودي لا تعرف المستحيل، وأنهم على قدر الثقة والمسؤولية في حمل لواء الهوية الوطنية ونقلها إلى آفاق عالمية أرحب.
ويأتي هذا الحراك التشكيلي الباهر كمرة ناضجة من ثمار الدعم اللامحدود والرعاية الأبوية الكريمة التي توليها القيادة الرشيدة للحركة الثقافية والفنية في المملكة. ففي ظل الرؤية الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومهندس الرؤية وعراب التغيير صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظهما الله - تحول الإبداع في السعودية من مجرد موهبة فردية إلى ركيزة أساسية من ركائز بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر، إن هذا الدعم التاريخي السخي قد فتح الأبواب مشرعة أمام جيل الشباب، ووفر لهم المنصات والحواضن التي تطلق طاقاتهم الكامنة ليقف العالم اليوم شاهداً على قصة تمكين فريدة قصة وطن يقوده سلمان الحزم والحكمة ويوجه بوصلته أمير الشباب وقائدهم الذي يملأ الدنيا طموحاً وإلهاماً وشعب وفيّ يرسم ملامح مجده بيده وفرشاته وعطائه لتظل راية المملكة خفاقة شامخة بالإنجازات والتميز في كل المحافل.
** **
X: AL_KHAFAJII