اليوم تقف القارة الإفريقية على أعتاب تحوّل إستراتيجي عميق يعيد رسم خريطة الاستهلاك والإنتاج عالمياً، وفي قلب هذا المشهد تبرز المملكة العربية السعودية بإمكانات صناعية وتصديرية هائلة قادرة على سدّ احتياجات أسواق تضمّ أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك.
العلاقة بين الرياض وإفريقيا ليست وليدة لحظة اقتصادية أو مصلحة عابرة، بل امتداد لرصيد تاريخي عميق رسّخته جولة الملك فيصل -طيب الله ثراه- إلى اثنتي عشرة دولة إفريقية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تلك الجولة التي حفرت في الوجدان الإفريقي صورة شراكة تقوم على الأخوّة والاحترام لا على المصلحة وحدها.
هذا الرصيد تحوّل عبر العقود إلى حضور تنموي ملموس، فبحسب بيانات الصندوق السعودي للتنمية، موّل الصندوق منذ تأسيسه أكثر من 400 مشروع وبرنامج إنمائي في 46 دولة إفريقية بقيمة تتجاوز 10.7 مليار دولار، أي نحو 57 في المئة من إجمالي تمويله للدول النامية، وكان من أبرز ثماره البرنامج السعودي لحفر الآبار الذي أنجز بمنحةٍ قيمتها 330 مليون دولار 6300 مرفق مياه استفاد منها أكثر من 4.5 مليون شخص في 13 دولة.
وقد بلغت هذه الإرادة السياسية ذروتها في القمة السعودية - الإفريقية التي احتضنتها الرياض في العاشر من نوفمبر 2023 برعاية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
فقد أطلق سموّه (مبادرة خادم الحرمين الشريفين الإنمائية في إفريقيا) بقيمة تتجاوز مليار دولار على مدى عشر سنوات، إضافة إلى مبلغ 50 مليار دولار مقدمة من المملكة لدعم الطاقة في إفريقيا، كما رصد صندوق الاستثمارات العامة 10 مليارات دولار للاستثمار في إفريقيا حتى 2030، وعلى هامش القمة وُقّع في المؤتمر الاقتصادي رفيع المستوى أكثر من 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات السياحة والاستثمار والطاقة والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والزراعة والمياه والاتصالات، فيما وقّع الصندوق السعودي للتنمية 14 اتفاقية قرض ميسّر مع 12 دولة إفريقية بقيمة تتجاوز ملياري ريال (533 مليون دولار). وقدم الصندوق السعودية للتنمية أيضاً مبلغ 5 مليارات دولار لدعم مشاريع البنية التحتية في الدول الإفريقية، وصدر في الختام (إعلان الرياض) خريطةً للتعاون المشترك.
لم تعد العلاقة إذن نوايا، بل 66 ملياراً مرصودة ووثائق موقّعة وفرص تنتظر من يقتنصها.
ولم يكن توقيت المملكة لاقتناص هذه الفرصة أنسب مما هو عليه الآن. فالاضطرابات التي ضربت الملاحة في مضيق هرمز كشفت هشاشة سلاسل الإمداد المارّة عبر الخليج؛ فقد علّق ميناء جبل علي في دبي عملياته لفترة وجيزة عقب العدوان الإيراني على دول الخليج والذي تسبّب في تعطيل الموانئ وإغلاق مضيق هرمز، وأوردت (CNN) بالعربية أنّ شركات شحن فعّلت بنود الحرب في عقودها فتحوّلت حاويات كانت متجهة إلى جبل علي نحو موانئ بديلة في الهند وسريلانكا. وهذه الأزمة تضع المملكة، بموقعها على البحر الأحمر وموانئها كجدة الإسلامي وجازان، في موضع المزوّد الموثوق والممرّ الآمن نحو القارة، بعيداً عن عنق الزجاجة الخليجي.
الأرقام تسند هذا الطموح، فقد سجّلت الصادرات غير النفطية، وفق الهيئة العامة للإحصاء، أداءً تاريخياً في 2025 ببلوغها 624 مليار ريال (نحو 166 مليار دولار) بنموٍّ بلغ 15 في المئة، وفي تفصيلها ارتفعت صادرات الغذاء والزراعة من 15 إلى 24 مليار ريال بين 2021 و 2025، وقفزت الأسمدة من 6.9 إلى 10.8 مليون طن - وهي تحديداً ما تطلبه مشاريع البنية التحتية والأمن الغذائي في إفريقيا.
والمملكة لم تترك تجارها ومصدّريها بلا سند، فبنك التصدير والاستيراد السعودي تأسس عام 2020 لتمويل الصادرات غير النفطية وتقديم الضمانات وتأمين ائتمان الصادرات بمزايا تنافسية، إلى جانب برنامج (صنع في السعودية) وجهود الهيئة العامة للتجارة الخارجية في فتح الأسواق.
وهنا يكمن سرٌّ تسويقي ثمين، فمجرد أن يقرأ المستهلك الإفريقي عبارة (صُنع في السعودية) تنعقد ثقته فوراً، لأنّ خلفها هيئةً سعودية للمواصفات والمقاييس والجودة تضع مواصفات قياسية صارمة وتحمي الأسواق من السلع المغشوشة والمقلّدة؛ فالعلامة شهادة جودة قبل أن تكون بطاقة منشأ.
ومن الميدان في إفريقيا نسمع نداءً متكرراً، تجارٌ أفارقة تعرّفوا على المنتج السعودي وأحبّوه، لكنهم يشكون من اضطرارهم لاستجلابه عبر وسطاء في جبل علي وموانئ إعادة التصدير، بكلفةٍ أعلى ووقتٍ أطول وهامشٍ يقتطعه الوسيط. هؤلاء يتمنّون وجود آلية تربطهم بالمصنع السعودي مباشرة دون وسطاء.
ولأنّ النيّة الحسنة وحدها لا تكفي، تبرز الحاجة إلى بنيةٍ وسيطة عملية، كوجود مكاتب وساطةٍ واستشارة في المملكة تذلّل العقبات أمام التاجر السعودي الراغب في دخول السوق الإفريقي، ومكاتب نظيرة في العواصم الإفريقية تسهّل على التاجر الإفريقي الوصول إلى المصنع السعودي والتفاوض والتعاقد والشحن.
هذه المكاتب تعمل كجسر مزدوج الاتجاه يحوّل العلاقات من صفقاتٍ فردية متناثرة إلى قنواتٍ مؤسّسية دائمة.
وقد يعترض بعض التجار بأنّ القوة الشرائية للأفارقة محدودة، وهي حجّة تدحضها الأرقام والوقائع معاً. فبحسب تقديرات مؤسسة بروكينغز، يبلغ استهلاك الأسر في إفريقيا نحو 2.1 تريليون دولار في 2025 ويتّجه إلى 2.5 تريليون بحلول 2030، فيما يقدّر البنك الإفريقي للتنمية وجود نحو 56 مليون أسرة من الطبقة الوسطى في الأسواق الخمس الكبرى بدخلٍ متاح يقارب 680 مليار دولار، ويتوقّع البنك الإفريقي للتنمية نموّ القارة بنحو 4.2 في المئة في 2025 مدفوعاً بقوة الاستهلاك الخاص.
والأهمّ من الأرقام مفارقةٌ يعرفها كل من جرّب السوق الإفريقية، هؤلاء الأفارقة أنفسهم يشترون المنتج السعودي فعلاً، لكن عبر وسطاء وبسعرٍ أعلى. فالمشكلة ليست في القدرة على الشراء، بل في قناة الوصول التي يبتلع وسطاؤها الفارق.
ويتذرّع آخرون بمخاطر التعامل مع أسواق إفريقيا، وهي مخاوف تذيبها أدوات التجارة الحديثة. فالاعتماد المستندي عبر البنوك العالمية الكبرى يضمن للمصدّر السعودي حقّه قبل أن تغادر البضاعة، ويُغلق باب التعثّر أو الغش والنصب.
وأبعد من ذلك، يتيح بنك التصدير والاستيراد السعودي تمويل المشتري؛ فيدفع للمصنع السعودي مستحقاته مباشرة ويمنح المستورد الإفريقي مهلةَ سداد، فيما يغطّي تأمين ائتمان الصادرات مخاطر عدم الدفع في وقته.
وبهذه الحلقة المتكاملة تتبخّر المخاطرة الحقيقية، ولا يبقى من (خطر إفريقيا) إلا صورته في الأذهان.
وتلك الصورة هي لبّ المعركة!
فالقارة التي رسمتها عقودٌ من الدعاية المغرضة فقيرةً يائسة هي في حقيقتها قارةٌ تُنهب لا قارةٌ معدمة. تقدّر (الأونكتاد) أنّ إفريقيا تخسر نحو 88.6 مليار دولار سنوياً في صورة تدفّقات مالية غير مشروعة تعادل 3.7 في المئة من ناتجها، وأنّ هذا النزيف يقارب مجموع ما تتلقّاه من مساعدات تنموية واستثمار أجنبي مباشر معاً، حتى إنّ ما غادرها من رؤوس أموال بين عامي 2000 و 2015 بلغ نحو 836 مليار دولار جعل القارة (دائناً خالصاً للعالم).
هذه أرقام أرض تُستنزف ثرواتها لا مجتمع بلا مال!
وقد استفادت القوى الاستعمارية والغربية طويلاً من ترسيخ هذه الصورة لتُبقي القارة سوقاً تابعة لها ومصدراً للمواد الخام التي تبني بها مدنها واقتصاداتها.
ومن يدرك هذه الحقيقة يرى في إفريقيا ما رآه الغرب مبكراً، سوقاً صاعدةً تُكافئ من يصل إليها أولاً باحترام وشراكة ومنافع متبادلة.
لكن.. يبقى التحدّي الأكبر إعلامياً وبشرياً.
فالقدرة الصناعية موجودة، لكن الجسور الإنسانية هي ما تفتح الأبواب. وللمملكة هنا ميزة فريدة بفضل الله، البُعد الديني. فالإسلام أكبر ديانات القارة؛ إذ يدين به نحو 446 مليون إفريقي، ويشكّل المسلمون أغلبية أو نسبة مؤثرة في قرابة 27 دولة، والمملكة بمكانتها قبلة للمسلمين تملك رصيداً روحياً لا يضاهى.
ويترجَم هذا الرصيد عملياً عبر خريجي جامعاتها؛ فالجامعة الإسلامية بالمدينة وحدها خرّجت منذ تأسيسها نحو 59,550 خريجاً من مختلف دول العالم عبر منحٍ مموّلة بالكامل تغطّي الدراسة والسكن والسفر، وكثيرٌ من أبناء إفريقيا بينهم يتبوّأون اليوم مواقع في القضاء والتعليم والإدارة الحكومية. هؤلاء سفراءُ طبيعيون يكسرون جمود البروتوكول الرسمي.
وعلى المستوى الرسمي، استأنفت المملكة حضورها الدبلوماسي المباشر في شرق إفريقيا؛ فقد أعادت فتح سفارتها في مقديشو وعيّنت سفيراً مقيماً، سعادة السفير أحمد بن محمد المولد، بعد نحو ثلاثة عقود من غياب التمثيل المقيم إثر انهيار الدولة الصومالية في التسعينيات.
وهذه عودة محمودة، لكنها تكتمل حين تُسنَد مثل هذه المواقع إلى دبلوماسيين يتقنون لغات القارة ويعرفون ثقافاتها - ومنهم سعوديون من أصول إفريقية - فيتحوّل التمثيل من بروتوكول جامد إلى تواصلٍ حيّ يفتح الأسواق والأبواب.
ولتقريب الصورة أكثر فإن النموذج العربي - الإفريقي الناجح ماثلٌ أمامنا. فالموريتاني معالي الدكتور سيدي ولد التاه، الذي قاد المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (باديا) عشر سنوات، انتُخب في 2025 رئيساً للبنك الإفريقي للتنمية، إذ حسم المنصب بأكثر من 76 في المئة من الأصوات. والأهمّ أنّ (باديا) مؤسسةٌ تُعدّ السعودية أكبر مساهم في رأس مالها، وانتقل مقرّها إلى الرياض عام 2023.
وفي عالم الأعمال، يثبت النيجيري أليكو دانغوتي - أغنى رجل في إفريقيا بنحو 28.5 مليار دولار - أنّ من يقرأ السوق من داخله يسيطر عليه؛ إذ صدّرت مصفاته وقود الطائرات إلى أوروبا حين تعطّلت الإمدادات عبر هرمز.
وهذا تحديداً ما تتقنه القوى الغربية، فبريطانيا مثلاً اختارت المصري - البريطاني السير محمد منصور أميناً لخزينة حزب المحافظين، وهو يملك (مانتراك) وكيل (كاتربيلر) في ثماني دول إفريقية؛ ويبرز السوداني - البريطاني مو إبراهيم الذي بنى شركة (سلتل) وبلغ مشتركوها 24 مليوناً في 14 دولة قبل أن يبيعها بنحو 3.4 مليار دولار.
ولم تكتفِ لندن بالرجال، بل سبقت الجميع بسلاح الإعلام؛ فذراعها (بي بي سي) تصل إلى نحو 132 مليون شخص أسبوعياً في إفريقيا عبر لغات من بينها الهوسا لغرب القارة والسواحيلية لشرقها والفرنسية، ولم تنفرد بالميدان؛ فإذاعات (صوت أمريكا) و(دويتشه فيله) و(راديو الصين) و(إذاعة فرنسا) تبثّ هي الأخرى بالهوسا.
فلماذا لا تطلق المملكة -بجانب قنواتها العربية- منصاتٍ بالسواحيلية والهوسا والفرنسية والإنجليزية تخاطب الأفارقة بلغاتهم وتروي قصة المنتج السعودي دون وسيط؟ فمن يملك الرواية يملك السوق.
ثم تأتي الورقة الأكثر جاذبيةً للجيل الجديد ألا وهي الرياضة والترفيه. فالمملكة التي فازت باستضافة كأس العالم 2034 واستقطب دوريها نجوماً عالميين كرونالدو وسيدو ماني ورياض محرز ونيمار وبنزيما، وقد ضخّت مليارات الدولارات في قطاع رياضي يضمّ نحو 170 نادياً، تخوض (دبلوماسية رياضية) تبني قوتها الناعمة.
وإفريقيا خزّان مواهب لا ينضب، ومع وجود مواهب إفريقية الجذور وُلدت ونشأت في المملكة في كرة القدم وألعاب القوى وكرة السلة، فإنّ استقطاب الشباب الإفريقي للتدريب والاحتراف يبني ولاءً مبكراً يتحوّل لاحقاً إلى مصالح اقتصادية وسياسية ممتدة.
ويبقى الجناح الإنساني هو روح هذا الحضور كله، فمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي افتُتح في مايو 2015 بتوجيه من الملك سلمان برأس مال قدره مليار ريال، أنجز عملاً ضخماً، إذ بلغت مشاريعه المنجزة وقيد التنفيذ 3066 مشروعاً في 102 دولة بكلفةٍ تقارب 7 مليارات دولار وبشراكة 449 جهة، يتصدّرها قطاع الأمن الغذائي، ووصلت إغاثاته الصحية والغذائية والاجتماعية إلى دولٍ إفريقية كالصومال والسودان ونيجيريا وتشاد، فحملت اسم المملكة إلى القرى والمخيّمات قبل أن تصله العلامات التجارية.
ويتكامل معه ذراعان راسختان في تاريخ العلاقات السعودية الإفريقية، رابطة العالم الإسلامي بحضورها الدعوي والإغاثي والتعليمي العميق في القارة، والبنك الإسلامي للتنمية ومقرّه جدة الذي تُعدّ المملكة أكبر المساهمين في رأس ماله، ويموّل بنية القارة التحتية وتجارتها وفق مبادئ إسلامية.
هذا الثالوث - الإغاثة والدعوة والتمويل - هي القاعدة العاطفية والأخلاقية التي يقف عليها كل تبادلٍ تجاري لاحق، فمن أطعم وداوى وعلّم، تُفتح له القلوب والعقول والأسواق معاً.
إنّ المعادلة واضحة، لدى المملكة المنتج، والرصيد التنموي والإنساني المتوَّج بقمة الرياض ومركز الملك سلمان، والموقع على البحر الأحمر، وأدوات التمويل والتأمين التي تذيب المخاطر، ومكاتب الوساطة التي تختصر الطريق، وسوقٌ إفريقية صاعدة تكذّب أسطورة الفقر، وعمقٌ ديني يربطها بنصف القارة، وخريجوها وسفراؤها في مفاصلها، وملاعبها التي تجذب شبابها.
ما ينقصها فقط صوتٌ إعلامي بلغات القارة، وقرارٌ إستراتيجي يحوّل هذه العناصر المتفرّقة إلى منظومة قوة ناعمة واحدة تجعل المنتج السعودي خياراً أول لا بديلاً ثانوياً في القارة السمراء.
ولأكون صادقاً، هذه ليست أمنية، بل حتمية اقتصادية يفرضها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة بين السعودية وإفريقيا.
** **
جبرين عيسى - الرئيس التنفيذي للمركز العربي الإفريقي للاستثمار والتسهيلات - لندن