د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
في اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، تُقدّم المملكة نموذجاً فريدًا لفهم العلاقة بين الأرض والتنمية. لا يفصل النهج السعودي بين البيئة والاقتصاد، بل يدمجهما في إطار واحد الأمن الغذائي، المائي والاستقرار الاجتماعي، وجودة الحياة، وكلها تنبع من أساس واحد هو استدامة الأرض. لذا، فإن ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد سياسات بيئية، بل إعادة تعريف لمفهوم الدولة التنموية، حيث تصبح الموارد الطبيعية ثروة سيادية، وإعادة تأهيل الأراضي أداة لبناء المستقبل.
بدأت المملكة جهودها لمكافحة التصحر داخل حدودها، لكنها اليوم تقف في موقع مختلف تماماً فاعل دولي يُعيد صياغة أجندة الأرض العالمية، ويقود تحوّل العالم من منطق مكافحة التدهور إلى منطق استعادة الحياة على الأرض.
يشهد العالم تحولاً عميقاً في طبيعة القوة والصراع، لم تعد الحروب تُقاس فقط بميزان القوى أو النفوذ العسكري، بل تُدار بشكل متزايد من خلال السيطرة على الموارد الأساسية التي إما تُحقق الاستقرار أو عدم الاستقرار. وتأتي الأرض في مقدمة هذه الموارد، بما تحتويه من تربة ومياه وقدرة إنتاجية زراعية، باعتبارها أساس الأمن الغذائي والمائي، وبالتالي عاملاً حاسماً في استقرار الدولة. ومع تفاقم تحديات التصحر والجفاف عالمياً، أصبح تدهور الأراضي عاملاً هيكلياً في معادلة الأمن الدولي، يؤثر على سلاسل التوريد والاستقرار الاقتصادي والتوازن الاجتماعي. لذا، يبرز النهج السعودي، كقراءة استراتيجية مبكرة لهذا التحول. فقد أعادت رؤية السعودية 2030 تعريف العلاقة بالأرض كأصل سيادي وتنموي، ورفعت من شأن استعادة النظم البيئية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والاستقرار المستقبلي.
ولا يقتصر حديث العالم على التصحر فحسب، بل يتعداه إلى مستقبل الاستقرار نفسه. في السابع عشر من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف. لم يعد هذا اليوم مقتصراً على التحذير من زحف الرمال وتدهور التربة، بل أصبح منصة دولية لمناقشة إحدى أهم القضايا المتعلقة بمستقبل التنمية والاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار البيئي في القرن الحادي والعشرين. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حوالي 40 % من أراضي العالم تعاني من درجات متفاوتة من التدهور. تمتد آثار التصحر والجفاف لتطال حياة مليارات البشر، مهددةً سلاسل الإمداد الغذائي والمائي.
شهد النهج السعودي تحولاً نوعياً من المفهوم التقليدي لمكافحة التصحر إلى إطار أوسع وأكثر تطوراً قائماً على إعادة تأهيل الأراضي ودعم النظم البيئية. فالتربة، المراعي، الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي أصبحت أصولاً اقتصادية استراتيجية. هذا هو الأساس الذي يُبنى عليه الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والاستقرار البيئي وتحسين جودة الحياة. وانطلاقاً من هذا المفهوم، تضع رؤية السعودية 2030 البيئة في صميم عملية التنمية، معتبرةً استدامة الموارد الطبيعية ركيزة اقتصادية محورية لتحقيق النمو طويل الأجل، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، ورفع مستوى المعيشة.
وقد تبنت المملكة نهجاً متكاملاً لإدارة الموارد الطبيعية، قائماً على التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، والحوكمة البيئية، وتكامل الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. وأطلقت الاستراتيجية الوطنية للبيئة، وأعادت هيكلة منظومة العمل البيئي من خلال إنشاء هيئات وطنية متخصصة تُشكل الركيزة الأساسية للإدارة البيئية الحديثة. ومن أبرز هذه الجهات المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية والمركز الوطني للأرصاد، وصندوق البيئة. كما عززت إطارها التشريعي من خلال نظام متكامل لحماية الغطاء النباتي، وتنظيم الرعي، ومكافحة قطع الأشجار، والحد من التعديات على الموارد الطبيعية. ويجري ذلك بالتوازي مع توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية لرصد حالة الأراضي وإدارتها بكفاءة عالية.
وعندما أطلق ولي العهد مبادرة السعودية الخضراء، لم يكن الهدف مجرد برنامج لزراعة الأشجار، بل مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة بناء الأصول الطبيعية للمملكة وتحويل الاستدامة البيئية إلى محرك أساسي للتنمية. تُعدّ المبادرة اليوم من أكبر برامج إعادة تأهيل الأراضي في العالم. ووفقاً لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عام 2026، حققت المملكة إنجازات بارزة، منها إعادة تأهيل أكثر من مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، زراعة أكثر من 159 مليون شجرة في أنحاء المملكة، توسيع برامج إعادة تأهيل المراعي الطبيعية، زيادة مساحة المناطق المحمية بأكثر من 400 % مقارنةً بالمستويات السابقة، إعادة توطين عدد من أنواع الحياة البرية المهددة بالانقراض وتعزيز حماية الغطاء النباتي ومكافحة الرعي الجائر وقطع الأشجار. على المدى البعيد، تهدف المملكة إلى زراعة عشرة مليارات شجرة وإعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، في أحد أكبر مشاريع ترميم البيئة في العالم.
ويتجاوز النهج السعودي المفهوم التقليدي للتشجير، إذ يتعمق في إطار عمل شامل قائم على استعادة وظائف النظم البيئية وقدرتها على الإنتاج والاستدامة. تتمثل الأهداف في تحسين خصوبة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، الحد من التعرية وتدهورها، تعزيز التنوع البيولوجي، التخفيف من حدة العواصف الرملية والترابية. وزيادة مرونة النظم البيئية في مواجهة تغير المناخ والجفاف. لذا، تشمل برامج إعادة تأهيل البيئة إدارة المراعي الطبيعية، وتجميع مياه الأمطار، وإعادة تأهيل الأودية، وتنمية الغطاء النباتي المحلي المتكيف مع البيئة الصحراوية، مما يعكس تحولاً علمياً في فهم وإدارة النظم البيئية الجافة.
ولم تتوقف الرؤية السعودية عند المستوى الوطني، بل امتدت لتقود تحولاً إقليمياً شاملاً. في عام 2021، أطلقت المملكة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، التي أصبحت أكبر مبادرة بيئية إقليمية لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي.
تضم المبادرة حالياً 34 دولة من آسيا وأفريقيا، بالإضافة إلى المملكة المتحدة بصفة مراقب. ووفقاً للأهداف الرسمية، تشمل هذه الأهداف زراعة أكثر من 37 مليار شجرة، تأهيل أكثر من 92 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، تنفيذ برامج إقليمية لمكافحة التصحر والجفاف والعواصف الرملية. حتى الآن، حققت الدول الأعضاء زراعة أكثر من 3.5 مليار شجرة، تأهيل أكثر من 550 ألف هكتار من الأراضي. كما أُقيم تعاون واسع النطاق مع 35 منظمة ومؤسسة فنية ومالية إقليمية ودولية لدعم تنفيذ مشاريع ترميم البيئة.
ولم يعد الوضع هنا مقتصراً على مبادرات التشجير أو الإحصاءات البيئية، بل أصبح معادلة أمنية إقليمية شاملة. لم يعد التصحر والجفاف ظواهر طبيعية، بل ضغوطا استراتيجية تؤثر على الأمن الغذائي والمائي، وتعيد تشكيل خرائط الاستقرار. لم يعد التدهور البيئي في المنطقة قضية محلية، بل أصبح مصدراً مباشراً للضغط على الأمن الغذائي والهجرة والاستقرار الاقتصادي. من هنا، يبرز مفهوم الدرع البيئي الإقليمي ليس كشعار، بل كبنية أمنية مرنة تعيد صياغة العلاقة بين الدول والموارد. يصبح كل مشروع ترميم، وكل هكتار يُعاد تأهيله، عنصراً في معادلة الاستقرار الإقليمي طويل الأمد، حيث تتشابك البيئة والاقتصاد والأمن في منظومة واحدة.
مثّلت استضافة الرياض للمؤتمر السادس عشر للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر نقطة تحول استراتيجية في دور المملكة الدولي. شهد المؤتمر أكبر حضور دولي في تاريخه، وأسفر عن إصدار إعلان الرياض، اعتماد أكثر من 35 قراراً دولياً، إطلاق ما يقارب 40 مبادرة ضمن أجندة عمل الرياض، تعزيز التعاون الدولي في مجال إعادة تأهيل الأراضي والتخفيف من آثار الجفاف ودعم البحث العلمي والابتكار وإدارة الموارد الطبيعية. كما أطلقت المملكة ثلاث مبادرات دولية محورية شراكة الرياض العالمية من أجل القدرة على مواجهة الجفاف، المبادرة الدولية للإنذار المبكر بالعواصف الرملية والترابية، ومبادرة الأعمال من أجل الأرض. يعكس هذا تحول المملكة من دولة تشارك في إيجاد الحلول إلى دولة تساهم في صياغة السياسات البيئية العالمية. من دولة متأثرة بالتحديات البيئية إلى دولة تعيد تشكيل النظام العالمي.
إن الرسالة التي توجهها المملكة للعالم اليوم تتجاوز الأرقام والمشاريع، فهي تجسد رؤية استراتيجية مفادها أن حماية الأرض هي حماية المستقبل. وكما أوضح ولي العهد جوهر هذه الفلسفة التنموية أننا نستهدف مستقبلاً أكثر استدامة لأجيالنا القادمة.
** **
- وكيل كلية علوم الأغذية والزراعة للشؤون التعليمية والأكاديمية، جامعة الملك سعود