وائل العتيبي - «الجزيرة»:
تواصل السينما السعودية ترسيخ حضورها بوصفها أحد أكثر القطاعات الثقافية حيوية ونمواً في المملكة، مدفوعة بحراك إنتاجي متسارع ومواهب شابة باتت تجد طريقها إلى المنصات والمهرجانات الدولية. وفي هذا السياق، تستعد جمعية السينما لإطلاق الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية في الظهران، حاملة معها برامج جديدة وشراكات دولية ورؤية تتجاوز العرض السينمائي إلى المساهمة في بناء صناعة متكاملة.
في هذا الحوار، يتحدث الرئيس التنفيذي لجمعية السينما هاني الملا عن ملامح الدورة الجديدة، ودلالات اختيار ثيمة «كل حكاية رحلة»، ومستقبل الاستثمار في السينما السعودية، والتحديات التي تواجه صنّاع الأفلام في مرحلة النضج والانتقال نحو المنافسة العالمية.
* ما الذي يميز الدورة الثانية عشرة عن الدورات السابقة؟
- الدورة الثانية عشرة تقرأ المشهد السينمائي بثقة مختلفة. فنحن نقدم أكثر من 20 عرضاً أول عالمياً، ما يجعل الظهران منصة رئيسة لاكتشاف هذه الأعمال. كما نكرّم هذا العام المخرجة السعودية هيفاء المنصور، صاحبة أول فيلم سعودي يترشح لجائزة الأوسكار، تقديراً لمسيرة كان لها أثر كبير في تشكيل ملامح السينما السعودية الحديثة.
وعلى المستوى الصناعي، يواصل سوق الإنتاج دوره بوصفه محركاً للمشاريع السينمائية، عبر دعمها منذ مرحلة الفكرة وحتى الإنتاج، وهو ما يؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد منصة عرض، بل بيئة متكاملة لصناعة السينما.
* لماذا تم اختيار محور «سينما الرحلة» لهذه الدورة؟ وما الرسائل التي يحملها؟
- «كل حكاية رحلة» هي العبارة التي تختصر روح هذه الدورة. فالرحلة في السينما المعاصرة لم تعد انتقالاً جغرافياً فحسب، بل تجربة إنسانية عميقة تتجسد في البحث عن الهوية، ومواجهة الخسارة، واكتشاف الذات.
وعندما تأملنا أبرز الإنتاجات السينمائية العالمية في السنوات الأخيرة، وجدنا أن هذا الموضوع يتكرر بأشكال مختلفة داخل كثير من الأعمال المهمة، لذلك اخترنا ثمانية أفلام من ثماني دول تجسد هذه الفكرة بأساليب ورؤى متنوعة.
* كيف تعكس ثيمة «كل حكاية رحلة» واقع السينما السعودية اليوم؟
- السينما السعودية نفسها تعيش رحلة استثنائية. إنها رحلة صانع أفلام كان يبحث بالأمس عن شاشة يعرض عليها عمله، وأصبح اليوم يبحث عن جمهور عالمي.
اخترنا «الرحلة» لأنها تصف واقعاً حقيقياً يعيشه المشهد السينمائي السعودي، الذي انتقل من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة بناء هوية سينمائية مستقلة ومتنوعة، تمتلك أدواتها الخاصة وتطمح إلى حضور عالمي أوسع.
* ما أبرز المستجدات التنظيمية أو البرمجية هذا العام؟
- من أبرز ملامح هذه الدورة الشراكة مع مهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة، والتي تترجم عملياً إلى عرض تسعة أفلام كورية للمرة الأولى عربياً، من بينها أعمال شاركت في مهرجانات سينمائية دولية بارزة.
كما تضم لجان التحكيم تسعة محكمين من خمس دول مختلفة، بينهم أسماء فاعلة في مهرجانات كبرى مثل كان وفينيسيا وبرلين، وهو ما يمنح الأفلام السعودية فرصة للاحتكاك المباشر بأعلى المعايير المهنية والفنية المعتمدة عالمياً.
* كيف تقيمون تطور المهرجان منذ انطلاقته وحتى وصوله إلى دورته الثانية عشرة؟
- عندما انطلق المهرجان عام 2008 كان السؤال الأساسي: هل يوجد فيلم سعودي؟ أما اليوم فنحن نستقبل عشرات الأفلام من داخل المملكة وخارجها، ونستضيف صناع سينما ونقاداً ومحكمين من أبرز المهرجانات العالمية.
لكن التحول الأهم لا يكمن في الأرقام، بل في طبيعة الأسئلة المطروحة. لقد انتقلنا من سؤال الوجود إلى سؤال التأثير والاستدامة والربحية، ومن البحث عن منصة عرض إلى التفكير في صناعة متكاملة.
ما رسالتكم لصناع الأفلام الشباب الذين يحلمون بعرض أعمالهم على شاشة المهرجان؟
ما يجمع كثيراً من الأسماء الحاضرة اليوم في المهرجان أنهم صنعوا أفلامهم أولاً، ثم جاءت المهرجانات لاحقاً. لذلك أنصح الشباب بالتركيز على جودة المشروع والصدق في الحكاية قبل التفكير في الجوائز أو المشاركات.
سوق الإنتاج موجود لدعم المشاريع الجادة، والمسابقة مفتوحة لكل من يؤمن بما صنعه ويملك عملاً يستحق أن يُشاهد.
* كيف تتعاملون مع الملاحظات النقدية التي تُطرح حول المهرجان؟
- النقد الجاد يستحق نقاشاً جاداً. وعندما طُرحت تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للفيلم السعودي، لم نكتفِ بالدفاع أو التبرير، بل حولنا السؤال نفسه إلى موضوع نقاش مفتوح داخل المهرجان.
نحن نؤمن بأن الأسئلة الصعبة لا ينبغي تجاهلها، بل مناقشتها بشفافية أمام الجميع، لأن ذلك جزء من نضج أي صناعة ثقافية.
* كيف ترون مستقبل الاستثمار في قطاع الأفلام السعودية؟
- الاستثمار في السينما السعودية يمر اليوم بمرحلة فرز حقيقية. صحيح أننا نملك أحد أكبر أسواق شباك التذاكر في المنطقة، وشهدنا أفلاماً سعودية حققت نجاحات لافتة، لكن ذلك لا يعني أن الطريق خالٍ من التحديات.
تكاليف الإنتاج لا تزال مرتفعة، كما أن التوزيع والتسويق يستحوذان على جزء كبير من الميزانيات، ما يجعل تحقيق العائد الاستثماري تحدياً قائماً.
لذلك أرى أن الفرص الواعدة لا تقتصر على تمويل الأفلام فحسب، بل تمتد إلى الاستثمار في البنية التحتية للصناعة، مثل الاستوديوهات، وخدمات ما بعد الإنتاج، وشركات التوزيع، والمرافق التقنية، وهي المجالات التي ستشكل عصب الصناعة خلال السنوات المقبلة.
* كيف تدعم جمعية السينما المواهب الجديدة بعد انتهاء المهرجان؟
- دور جمعية السينما لا ينتهي بانتهاء المهرجان. فهناك برامج تدريبية وثقافية ومبادرات مستمرة على مدار العام، إلى جانب سينماتك الخبر، ومشاريع معرفية متخصصة تسهم في تطوير المهارات المهنية وتعزيز الثقافة السينمائية.
كما يمثل سوق الإنتاج جسراً عملياً بين الموهبة والفرصة، من خلال ربط أصحاب المشاريع بالشركاء والممولين ومتابعة تطور مشاريعهم حتى مراحل التنفيذ.
* ما المهارات التي يحتاجها الجيل الجديد من صناع الأفلام لتحقيق حضور عالمي؟
- الحضور العالمي يبدأ من القدرة على رواية قصة إنسانية تمس المشاهد أينما كان، بغض النظر عن خلفيته الثقافية أو الجغرافية.
المهارات التقنية يمكن تعلمها وتطويرها، أما القدرة على بناء حكاية صادقة وعابرة للثقافات فهي ما يصنع الفارق الحقيقي. كما أن الاحتكاك بالتجارب العالمية والاستفادة من الخبرات الدولية يمثلان فرصة مهمة لتوسيع الأفق الإبداعي.
* ما أبرز التحولات التي شهدها الفيلم السعودي خلال السنوات الأخيرة؟
- أبرز التحولات تتمثل في النضج النوعي والتحرر من القوالب المتوقعة. فالفيلم السعودي لم يعد محصوراً في نمط واحد أو موضوعات محددة، بل بات يقتحم مجالات متنوعة تشمل الخيال العلمي والكوميديا الرومانسية والدراما الاجتماعية وغيرها.
صانع الفيلم السعودي تجاوز مرحلة إثبات الحضور، وأصبح أكثر انشغالاً بتطوير أدواته الفنية والبحث عن صوته الخاص، والسؤال الذي يشغله اليوم لم يعد: ماذا أستطيع أن أصنع؟ بل: ماذا أريد أن أقول؟
* كيف يسهم المهرجان في اكتشاف الأصوات السينمائية الجديدة؟
- ينطلق المهرجان من قناعة راسخة بأن الموهبة تحتاج إلى منظومة متكاملة تتجاوز مجرد عرض الفيلم. ولذلك نوفر بيئة تجمع بين العروض السينمائية والندوات المتخصصة والفرص المهنية وسوق الإنتاج.
هذا التكامل يمنح أصحاب التجارب الأولى فرصة للاحتكاك المباشر بالمحترفين والخبراء، ويحول المهرجان إلى مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وصناعة المستقبل.
* ما التحديات التي ما زالت تواجه صناع الأفلام السعوديين؟
- الموهبة السعودية أثبتت حضورها، لكن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في الاستمرارية. فكثير من المخرجين ينجحون في إنجاز الفيلم الأول، ثم يواجهون صعوبة في الانتقال إلى المشروع التالي بسبب التحديات الإنتاجية والتمويلية.
لذلك نحتاج إلى نماذج إنتاج أكثر مرونة وكفاءة، قادرة على إدارة الموارد المتاحة وتحويلها إلى فرص حقيقية. فاستدامة الإنتاج هي التحدي الأهم الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة من تطور السينما السعودية.