سلمان بن محمد العُمري
مع اقتراب نهاية كل عام دراسي، يعود إلى الواجهة مشهد بات يتكرر بتفاصيل أكثر تعقيداً وكلفة؛ إنه موسم «حفلات التخرج» التي لم تعد تقتصر على الشهادات الجامعية العليا، بل تمددت لتشمل الأطفال في الروضة والتمهيدي وصفوف التعليم الأساسي.
وفي خضم الصخب التنظيمي والسباق المحموم نحو حجز القاعات الفاخرة وتأمين الهدايا الباهظة، تحولت هذه المناسبات السعيدة من مساحة للفرح العفوي بالإنجاز، إلى هاجس يؤرق الأسر واستنزاف مالي يثقل كاهل أولياء الأمور.
إن المتأمل في واقع هذه الاحتفالات يلحظ انحرافاً بين الوسائل والغايات، فالأصل في التعليم هو التحصيل المعرفي، والامتحان هو المحك الحقيقي لقطف الثمار، إلا أن المشهد الحالي بات يُقدّم «المسيرة الاحتفالية» وكأنها الغاية الأسمى، بل إن بعض هذه الحفلات تُقام صخباً وبهرجة قبل أن يطأ الطلاب قاعات الامتحانات النهائية، في مفارقة تربوية غريبة تجعل من الاختبار تحصيل حاصل ومن المظاهر أصلاً لا غنى عنه.
لقد ساهم الطوفان الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا «التقليد الأعمى»، حيث يقع الكثيرون في فخ المحاكاة ومجاراة فئة قليلة من المترفين، مما خلق ضغطاً مجتمعياً هائلاً على الأسر متوسطة ومحدودة الدخل، ومع انتشار مقاطع الاحتفالات زادت المعاناة على الآباء والأمهات، وتضاعفت هذه الأعباء لتتحول إلى التزامات مالية متكررة ترهق رب الأسرة الذي يجد نفسه مدفوعاً بالاقتراض وتكبد الديون، مدفوعاً برغبة عاطفية في «ألا يكسر خاطر أبنائه»، متناسياً التوجيه القرآني الحكيم في التوازن والاعتدال: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}.
إننا اليوم أمام مسؤولية مشتركة تتطلب وقفة حازمة وعقلانية لإيقاف هذا النزيف المالي والتربوي، وعلى المستوى الرسمي سمعنا بتدخل وزارة التعليم لتقنين هذه الحفلات داخل المدارس (الحكومية والأهلية على حد سواء)، بوضع أطر واضحة تضمن الاحتفاء بالطلاب والطالبات بلا إفراط ولا تفريط وقصرها على خريجي المراحل الدراسية دون فصول الروضة والتمهيدي، وتشكر الوزارة على هذا الإجراء والقرار.
ويتبقى الدور المجتمعي والإعلامي، ويجب أن تتضافر الجهود لإعادة نشر ثقافة الوسطية، وتوجيه النفقات نحو مسارات أكثر نفعاً واستدامة لمستقبل الأبناء الدراسي والمهني، وعلى مستوى الأفراد، فتظل المسؤولية الأخلاقية قائمة على من مَنّ الله عليهم بالسعة؛ إذ إن المبالغة في استعراض هذه الأفراح ونشر تفاصيلها عبر الفضاء الرقمي يخدش مشاعر النفوس المحرومة، ناهيك عما يجره حب الظهور من عواقب قد تحول الأفراح إلى أتراح.
إن الفرح بالنجاح والتميز قيمة إنسانية وتربوية نبيلة، ولكن شتان بين فرح يُبهج النفوس ويشحذ الهمم، وبين تكلّف يورث الهموم ويثقل الذمم، إن العودة إلى جادة العقل والاعتدال هي الكفيلة بالحفاظ على جوهر النجاح وقيمته الحقيقية.