د. أحمد الحمدة
قال الله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (5) سورة إبراهيم. ومن أعظم أيام الله التي تذكر المؤمنين بحقائق الحياة والموت، تلك اللحظات التي يودع فيها الإنسان هذه الدنيا، ويُحمل على الأكتاف، وتُتبع جنازته بالدعوات الصادقة والدموع المخلصة.
عند رحيل الإنسان من هذه الدنيا، لا يبقى معه إلا عمله الصالح وأثره الطيب في نفوس الناس. ومن أعظم ما يُرى عند الوفاة أن تكون الجنازة مشهودة، يحضرها الناس، يدعون للميت بالرحمة والمغفرة ويذكرونه بخير. فالجنازة المشهودة ليست مجرد اجتماع للناس، بل هي رسالة صادقة تعكس ما تركه الإنسان من محبة وأثر حسن بين الخلق.وقد جعل الله تعالى للناس شهادةً معتبرة على عباده، فإذا أثنوا على الميت خيرًا كان ذلك من بشائر حسن الخاتمة، وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنتم شهداء الله في الأرض». فحين يجتمع الناس على الدعاء والثناء، فإنهم يشهدون بما عرفوه من أخلاق الميت وصفاته وأعماله الطيبة.
إن موعد الإنسان الحقيقي ليس يوم مولده ولا يوم نجاحه أو مكانته في الدنيا، وإنما يوم يُحمل على الأكتاف وتُتبع جنازته بالدعوات الصادقة والدموع المخلصة. هناك تظهر حقيقة التعامل مع الناس، ويظهر أثر الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والإحسان إلى الصغير والكبير، والعفو والتسامح، وحسن الخلق الذي يبقى في القلوب بعد الرحيل.
لذلك كان السلف يحرصون على بناء رصيد من المحبة والاحترام بين الناس، لأن الذكر الحسن بعد الموت نعمة عظيمة، ودليل على حياة عامرة بالخير والعطاء. وما أجمل أن يودع الإنسان الدنيا وقد اجتمع الناس على الدعاء له، واستغفروا له، وذكروا مواقفه النبيلة وأخلاقه الكريمة.
في يوم الاحد الموافق 28-12-1447هـ توفي خالي الغالي الشيح ناصر بن محمد الحمد رحمه الله تعالى بعد حياة طيبة عامرة بالزهد والورع والتقى والاستقامة .وقد شهدت جنازته جمعًا غفيرًا من الناس، ليس غرابة، فمن كان حياته طيبة كان موته مشهودًا. كان رحمه الله بشوشًا لا تفارقه الابتسامة، وحضوره راحةً للقلوب وأنسًا للمجالس. كان زاهدًا في دنياه، مقبلًا على ربه، محبًا للخير، كريم النفس واليد، عطوفًا على الصغار، رحيمًا بمن حوله.
لم يُعرف عنه إلا طيب الكلام وحسن الخلق، ولم يحمل في قلبه حقدًا على أحد، ولا حسد نعمةً عند أحد، بل كان نقي السريرة، سليم الصدر، يحب للناس ما يحب لنفسه. فكان الجميع يحبه ويأنس بقربه، ويشهد له بالخير أينما ذُكر. رحل عنا، لكن ذكراه الطيبة وأخلاقه الكريمة ومواقفه النبيلة باقية في القلوب لا تُنسى.
نسأل الله أن يجعل ابتسامته التي أدخلت السرور على الناس نورًا له في قبره، وأن يجزيه عن إحسانه خير الجزاء، وأن يرفعه في أعلى درجات الجنان.
ما أصعب فراق الأحبة، وخاصة إذا كان الراحل رجلًا عرفه الناس بالتقوى والعبادة والكرم وحسن الخلق. كان صاحب قلب أبيض لا يعرف الكراهية، ولسان طيب لا يؤذي أحدًا، ووجه بشوش يزرع الفرح في كل مكان يحل فيه. عاش -فقيدنا الغالي- محبوبًا بين الناس، ورحل تاركًا خلفه سيرة عطرة وشهادة صادقة من كل من عرفه.
نسأل الله أن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأن يجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم إن عبدك (ناصر الحمد)..كان طيب القلب، حسن الخلق، كريمًا متواضعًا، محبًا للناس، عطوفًا على الصغار، بشوش الوجه، كثير الابتسام. اللهم كما أحبه خلقك في الدنيا فأحبه في السماء، واجعل له من رحمتك ومغفرتك أوفر النصيب، واجمعنا به في جنات النعيم. آمين.