السموأل محمد إبراهيم
ليست المدن العظيمة تلك التي ترتفع فيها الأبراج فحسب، أو تتسع فيها الطرق وتتشابك الجسور، بل تلك التي تمتلك القدرة على الإصغاء إلى تحدياتها، ومواجهة أسئلتها الكبرى بعقل العلم وبصيرة التخطيط. فالمدينة التي تفكر في مستقبلها قبل أن تداهمها أزماته، هي المدينة التي تستحق أن تقود المستقبل لا أن تلاحقه. ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة العلمية المتخصصة التي نظمها مركز الإدارة المحلية بمجمع بصائر لمراكز الفكر في جامعة الأمير سلطان بعنوان: «إدارة الازدحام في مدينة الرياض نحو حلول حضرية مستدامة»، برعاية وتشريف صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، رئيس مجلس أمناء جامعة الأمير سلطان، لتؤكد أن معالجة التحديات الحضرية ليست مهمة جهة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها الخبرة مع القرار، والمعرفة مع الممارسة، والرؤية مع التنفيذ. ولتؤكد ايضا أن الجامعة الرائدة هي التي تضع علمها وخبراتها في خدمة الوطن وقضاياه الكبرى.
وقد اكتسبت الندوة أهمية خاصة من رعاية سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف وحضوره الكريم، وهو الذي ارتبط اسمه بمسيرة التحول الحضري والتنمية المحلية في المملكة، وأسهم عبر عقود من العمل والخبرة في ترسيخ مفاهيم التخطيط الحضري المستدام والارتقاء بجودة الحياة في المدن السعودية. وليس غريبا أن يقترن اسم سموه بفكرة «أنسنة المدن»، فقد كان من أوائل الداعين إلى أن تكون المدينة فضاء للإنسان قبل أن تكون عمرانا للحجر، وأن تقاس قيمة الشوارع والميادين والحدائق بما تمنحه للناس من حياة وطمأنينة وانتماء. ومن هنا غدا حضوره ورعايته لهذه الندوة امتدادا طبيعيا لمسيرة جعلت من الإنسان محور التنمية وغاية التخطيط، ومن جودة الحياة عنوانا لنهجٍ حضري استشرافيٍ ترك بصمته الواضحة في مسيرة التنمية الوطنية. ولعل ما يميز الشخصيات القيادية الملهمة أنها لا تكتفي بمتابعة المشهد من بعيد، بل تحرص على دعم المبادرات العلمية والفكرية التي تسهم في بناء المستقبل. ومن هنا عكست مشاركة سموه اهتماما حقيقيا بربط المعرفة الأكاديمية بالاحتياجات التنموية، وترسيخ ثقافة الحوار العلمي بين المؤسسات الحكومية والخبراء والباحثين وصناع القرار.
وقد هدفت الندوة إلى تسليط الضوء على واقع الازدحام المروري في مدينة الرياض، واستعراض أبرز مسبباته وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والصحية، إضافة إلى مناقشة الحلول العملية والمستدامة التي يمكن أن تسهم في تعزيز كفاءة التنقل والارتقاء بجودة الحياة في العاصمة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت من جودة الحياة واستدامة المدن أحد أهم مرتكزات التنمية الوطنية.
وقد عقدت الندوة يوم الأربعاء 17 يونيو 2026م بمشاركة واسعة من الجهات الحكومية والهيئات المتخصصة ونخبة من الأكاديميين والخبراء، حيث شاركت الهيئة الملكية لمدينة الرياض، وأمانة منطقة الرياض، والإدارة العامة للمرور، ووزارة التعليم، والهيئة العامة للنقل، والجمعية السعودية للسلامة المرورية، وكرسي أرامكو السعودية للسلامة المرورية، وشركة رافد التابعة لتطوير التعليم القابضة، إضافة إلى جامعة الأمير سلطان، في نموذج يعكس تكامل الجهود الوطنية لمعالجة واحدة من أبرز القضايا الحضرية التي تواجه المدن الكبرى.
وقد تناولت أوراق العمل أربعة محاور رئيسية شملت تشخيص الوضع الراهن للازدحام المروري في مدينة الرياض، وتحليل مسبباته وتحدياته، واستعراض آثاره الاقتصادية والاجتماعية والصحية، إلى جانب إبراز أدوار الجهات ذات العلاقة ومبادراتها ومشروعاتها وشراكاتها المختلفة، وصولا إلى مناقشة الحلول الحضرية المبتكرة والتقنيات الذكية التي يمكن أن تسهم في الحد من الازدحام وتحسين كفاءة منظومة النقل. كما توزعت أعمال الندوة على ثلاث جلسات علمية متخصصة؛ تناولت الأولى واقع الازدحام المروري في مدينة الرياض ودور الجهات ذات العلاقة والتحديات والمبادرات القائمة، فيما ركزت الجلسة الثانية على إدارة الازدحام المروري وآليات التعامل معه، أما الجلسة الثالثة فقد استشرفت رؤى وحلولا حضرية مستدامة تسهم في بناء مدينة أكثر كفاءة وانسيابية وجودة للحياة.
ولم تقتصر الندوة على تشخيص التحديات واستعراض التجارب والمبادرات، بل انتهت إلى مجموعة من التوصيات العملية التي عكست عمق النقاشات وواقعية الطروحات.
ومن أبرز هذه التوصيات مقترح «السبت المرن» الذي طرحته جامعة الأمير سلطان، ويقضي بمنح الجهات المختلفة مرونة اختيار يوم بديل للإجازة الأسبوعية عوضا عن يوم السبت وفق طبيعة أعمالها واحتياجاتها التشغيلية، بما يسهم في توزيع الحركة المرورية على أيام الأسبوع والتخفيف من حدة الازدحام ورفع كفاءة التنقل. كما أوصى المشاركون بأهمية تبني منهجية التشخيص المبكر للتحديات المرورية، والاستفادة من التقنيات الذكية وتحليل البيانات لفهم الأنماط السلوكية المرتبطة بالحركة والتنقل، بما يدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة. كذلك أكدت التوصيات أن تطوير منظومة النقل العام وتعزيز الاعتماد عليها يمثلان أحد أهم الحلول الاستراتيجية المستدامة للحد من الازدحام المروري وتحسين جودة الحياة في المدن الكبرى.
إن ما قامت به جامعة الأمير سلطان من خلال هذه الندوة يجسد نموذج الجامعة الحديثة التي تتجاوز حدود القاعات الدراسية وأسوار الحرم الجامعي لتكون شريكا أصيلا في التنمية الوطنية. فالجامعات العظيمة لا تقاس فقط بعدد خريجيها أو برامجها الأكاديمية، بل بقدرتها على قراءة احتياجات المجتمع، واستشراف تحديات المستقبل، وتقديم المعرفة بوصفها أداة للتغيير وصناعة الحلول. حيث تأتي هذه الندوة ضمن جهود مركز الإدارة المحلية في رصد القضايا التنموية الحيوية وإعداد الدراسات والبحوث المتخصصة التي تدعم صناعة القرار وتقترح الحلول العلمية للتحديات الحضرية والتنموية، بما يعزز دور الجامعة في خدمة المجتمع ويؤكد إسهامها الفاعل في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وفي الوقت الذي تمضي فيه الرياض بخطى واثقة نحو التحول إلى واحدة من أهم المدن العالمية وأكثرها جذبا وجودة للحياة، تبرز الحاجة إلى مثل هذه المنابر الفكرية التي تجمع أصحاب القرار والخبرة والمعرفة حول طاولة واحدة، لمناقشة التحديات قبل تفاقمها، وصياغة الحلول قبل الحاجة إليها. ومن هنا فإن هذه الندوة لم تكن مجرد فعالية أكاديمية عابرة، بل كانت صورة مشرقة لوطنٍ جعل من العلم شريكا للتنمية، ومن الفكر ركيزة للتخطيط، ومن الإنسان محورا لكل مشروع تنموي.
ويبقى التقدير مستحقا لصاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف على دعمه ورعايته واهتمامه المتواصل بكل ما من شأنه خدمة المدن السعودية والارتقاء بجودة الحياة فيها، كما يبقى الثناء موصولا لجامعة الأمير سلطان التي أثبتت مرة أخرى أن الجامعات العظيمة لا تنتظر أن تسأل عن دورها الوطني، بل تبادر إلى صناعته.
فحين يلتقي الفكر بالقيادة، وتلتقي الجامعة بالوطن، تتحول الندوات إلى مشاريع مستقبل، وتتحول الأفكار إلى طرق أكثر اتساعا نحو الغد.