د. عبدالحليم موسى
ليست قيمة الشهادة العلمية في الورق الذي كُتبت عليه، ولا في الحروف التي تسبق اسم صاحبها، ولا في الألقاب التي تتزين بها بطاقات التعريف والمناصب الرسمية. فالعلم، في جوهره العميق، عقدٌ أخلاقي قبل أن يكون رصيداً معرفياً، وميثاقُ ضمير قبل أن يكون سلماً للترقي أو وسيلةً للوجاهة الاجتماعية.
وقد أعادت قصة الفيزيائي الفرنسي الشهير «إتيان كلاين» هذا السؤال القديم إلى الواجهة من جديد، بعد قرار سحب درجة الدكتوراه التي حصل عليها قبل أكثر من ربع قرن إثر تحقيق أكاديمي كشف وجود حالات من الاقتباس غير الموثق والانتحال العلمي في أطروحته. ولم يكن الأمر مجرد خطأ إجرائي أو هفوة شكلية، بل قضية مست جوهر الأمانة العلمية التي تقوم عليها الجامعة الحديثة.
لقد صُدم كثيرون بالخبر؛ فالرجل ليس باحثاً مجهولاً، بل أحد أشهر الأصوات العلمية في فرنسا وصاحب حضور ثقافي وإعلامي واسع، بيد أنّ المفارقة في سقوط الأسماء الكبيرة الذي يضعف قيمة العلم، ويؤكد أنّ المؤسسة العلمية الحقيقية قادرة على مراجعة نفسها مهما تأخر الزمن، فالحقيقة العلمية لا تعرف المجاملات، والنزاهة الأكاديمية لا تخضع لمكانة الأشخاص أو شهرتهم.
إنّ هذه الحادثة تتجاوز شخصاً بعينه لتطرح قضية أكثر عمقاً تتعلق بمدى صلابة المنظومة الأكاديمية وقدرتها على حماية المعرفة من التزييف والتساهل، فكم من الألقاب الأكاديمية تُمنح اليوم في ظل أنظمة رقابية متفاوتة الكفاءة؟ وكم من الترقيات العلمية تُبنى على معايير شكلية أكثر من استنادها إلى الإبداع والأصالة؟
لقد أصبحت بعض المجتمعات مفتونة بالألقاب أكثر من افتتانها بالمعرفة ذاتها، فصار لقب «الدكتور أو البروفيسور» أحياناً بوابةً إلى النفوذ الاجتماعي أو الإداري، بينما تراجعت الأسئلة الجوهرية المتعلقة بجودة البحث وأصالته وقيمته العلمية، وهنا تكمن المعضلة؛ إذ إنّ أزمة الشهادات ليست دائماً في أصحابها وحدهم، بل في المنظومات التي تمنحها وتراقبها وتمنحها الشرعية.
كان فرانسيس بيكون يقول: «المعرفة قوة»؛ لكن القوة التي لا تستند إلى الصدق تتحول إلى وهم كبير، كما أنّ النزاهة العلمية ليست قيمة تكميلية في حياة الباحث، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين الجامعة والمجتمع، ففقرة منقولة بلا توثيق قد تبدو تفصيلاً صغيراً، لكنها قد تكشف خللاً عميقاً في منظومة القيم التي يقوم عليها البحث العلمي.
والحقيقة أنّ الجامعات في العالم تواجه اليوم تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة هناك ضغوط النشر والترقيات والتنافس على التصنيفات العالمية، ومن جهة أخرى توجد أدوات تقنية متطورة قادرة على كشف التشابه والانتحال حتى بعد عقود طويلة، ولهذا أصبحت الذاكرة الأكاديمية أكثر دقة وأقل تسامحاً مع التجاوزات مما كانت عليه في السابق.
غير أنّ أزمة الثقة لم تعد مقتصرة على الرسائل العلمية والباحثين فقط، بل امتدت إلى منظومة النشر الأكاديمي العالمية نفسها، ففي السنوات الأخيرة برزت أصوات أكاديمية في فرنسا وجنوب أفريقيا وعدد من الدول الأخرى تنتقد الاعتماد المفرط على قواعد الفهرسة العالمية، وعلى رأسها «سكوبس»، باعتبار أنّ النشر العلمي أخذ يتحول تدريجياً إلى صناعة اقتصادية ضخمة تُقاس فيها قيمة الباحث بعدد الأوراق المنشورة والمؤشرات الرقمية أكثر من قياسها بقيمة الفكرة وأثرها العلمي الحقيقي.
لقد أصبح كثير من الأكاديميين يشعرون بأنّ الجامعات المعاصرة تعيش مفارقة لافتة؛ فهي تنتج كماً هائلاً من البحوث، لكنّها لا تنتج بالضرورة القدر نفسه من المعرفة المؤثرة، وقد أصبح بعض الباحثين أسرى لمعادلات النشر ومتطلبات الترقية، حتى غدا السؤال عن مكان النشر أحياناً أكثر حضوراً من السؤال عن قيمة ما نُشر.
ولا تكمن الإشكالية في قواعد الفهرسة ذاتها، فهي أدوات مهمة لتنظيم المعرفة وقياس تأثيرها، لكنها ليست معياراً مطلقاً للحقيقة العلمية، فالبحث الرصين لا يكتسب قيمته لمجرد ظهوره في قاعدة بيانات عالمية، كما أن الفكرة المبدعة لا تفقد قيمتها إذا نُشرت خارجها، إنّ اختزال جودة الباحث في عدد الاستشهادات أو معامل التأثير قد يقود الجامعات إلى ما يمكن وصفه بـ»سلطة الأرقام»، حيث تصبح المؤشرات الرقمية غاية في ذاتها بدلاً من أن تكون وسيلة لتقويم الأداء العلمي.
وقد حذر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس من هيمنة العقل الأداتي الذي يقيس كل شيء بمعايير الكفاءة والمنفعة، بينما تتراجع القيم والمعاني الكبرى، وربما ينطبق هذا الوصف على جانب من المشهد الأكاديمي المعاصر، حيث أصبحت بعض المؤسسات أكثر اهتماماً بتحسين مواقعها في جداول التصنيف من اهتمامها ببناء بيئة علمية قادرة على إنتاج معرفة أصيلة وذات أثر إنساني.
إنّ القضية في جوهرها ليست قضية سرقة نصوص فحسب، بل قضية ثقة، فعندما تُمنح درجة علمية أو ترقية أكاديمية بناءً على عمل غير أصيل، أو وفق منظومة تقييم تركز على المؤشرات الشكلية أكثر من الجودة الحقيقية، فإنّ الضرر لا يصيب المؤسسة الأكاديمية وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، إذ إنّ الجامعة حينها تفقد جزءاً من رسالتها الأخلاقية، ويتسلل الشك إلى قيمة الشهادات والبحوث والألقاب العلمية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الثقة الأكاديمية على أسس أكثر صلابة، فالمشرف الأكاديمي ليس مجرد موقّع على استمارة، بل حارس للمعرفة، بينما اللجنة العلمية ليست هيئة بروتوكولية، بل سلطة علمية وأخلاقية مسؤولة عن حماية جودة البحث، وعندما تغيب الصرامة العلمية أو تتحول العلاقات الأكاديمية إلى مجاملات شخصية، تبدأ قيمة الشهادات في التآكل بصمت.
ولعل من أهم الخطوات المطلوبة في هذا السياق تتمثل في؛ إلزام الرسائل العلمية بالفحص الإلكتروني المتقدم قبل المناقشة، وتعزيز التدريب على أخلاقيات البحث العلمي وقواعد الاقتباس والتوثيق، ربط تقييم المشرفين بجودة الرسائل التي يشرفون عليها، ومراجعة ملفات الترقيات مراجعة نوعية لا كمية فقط، إنشاء هيئات مستقلة للنزاهة الأكاديمية داخل الجامعات، وتنويع معايير الترقية بحيث تشمل التأثير المجتمعي والابتكار وحل المشكلات الواقعية، لا مجرد عدد الأبحاث المنشورة، عدم جعل سكوبس أو أي قاعدة بيانات أخرى المعيار الوحيد للحكم على قيمة الباحث أو المؤسسة. لقد قال عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إنّ «العلم مهنة تقوم على المسؤولية»؛ والمسؤولية هنا ليست مسؤولية إنتاج المعرفة فحسب، بل مسؤولية حمايتها من التزييف والتساهل وإفراغها من مضمونها الأخلاقي.
إنّ قصة سحب الدكتوراه من عالم فرنسي بعد أكثر من ربع قرن ليست حادثة فردية بقدر ما هي مرآة تعكس تحديات أوسع يعيشها العالم الأكاديمي المعاصر، فهي تذكرنا بأنّ النزاهة العلمية لا تسقط بالتقادم، وأنّ الجامعة الحقيقية ليست تلك التي تمنح الشهادات فحسب، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها، ومحاسبة أخطائها، وإعلاء قيمة الحقيقة فوق الاعتبارات الشخصية والمؤسسية.
وفي خاتمة المطاف، لا يبقى من الباحث لقبه، ولا منصبه، ولا عدد الشهادات المعلقة على الجدران، ولا عدد المقالات المدرجة في قواعد الفهرسة العالمية؛ بل يبقى أثره العلمي، وصدق جهده، ونزاهة ضميره؛ أما الألقاب التي لا تستند إلى الأمانة، والأرقام التي لا تستند إلى المعرفة، فهي كقصور شُيدت على الرمال؛ قد تبدو شامخة زمناً، لكنها لا تصمد حين تهب رياح الحقيقة.