عبدالوهاب الفايز
ما زالت سخونة الأحداث توسع حالة التغاضي عن الأساسيات المهنية الإعلامية، بالذات سهولة خلع التعريفات مثل (محلل عسكري استراتيجي، مفكر سياسي، باحث سياسي وإستراتيجي، خبير سياسي.. وغيرها). فهذه أصبحت صفة مهنية شائعة ومتاحة.. وتُوزع بالمجان!
تتوسع هذه الظاهرة الآن بدون تحفظ، فاستمرار الأحداث الملتهبة في المنطقة تقدم الفرصة لمن يرغب في الظهور على موجات الأحداث المتتالية. ولماذا لا؟ إنها فرصة للظهور والتكسب الإعلامي، والمثل يقول: (جود السوق ولا جود البضاعة!)، فالطلب على التحليل أو التهليل والتهويل السياسي مرتفع، سواء في الفضائيات التي تصرف على بناء الاستديوهات والديكورات، وعروض المكياج والأزياء والإكسسوارات للمذيعين والمذيعات أكثر مما تصرف على البحث والتحليل والإعداد والإنتاج في إدارات الأخبار؛ وحتى منصات (البودكاست) هي الأخرى تنطلق في الفضاء الرقمي الإعلامي مرتاحة ومنساحة، وينسحب على أغلبها حالة: (افتح فمك يرزقك الله!).
ظاهرة التهاون مع الممارسة (المهنية السياسية) هذه ذكّرتني بكتابين. الأول كتاب محمد جابر الأنصاري (العرب والسياسة: أين الخلل؟، دار الساقي، 1998)، والثاني صدر قبله وهو كتاب عبدالله القصيمي (العرب ظاهرة صوتية).
الأنصاري حدد الأسباب الدينية والأخلاقية للنظرة الدونية إلى العمل السياسي وهي تشخيص تاريخي- بنيوي للخلل السياسي العربي. يُؤكد الأنصاري أن هذه النظرة ليست عارضة أو حديثة، بل هي نتاج تراكمي تاريخي بدأ منذ الصراعات الأولى في صدر الإسلام، وتحديداً في التوتر بين المثال الأخلاقي الديني (الذي يمثل قمة الوعي الإسلامي بالعدالة والوحدة والفضيلة)، وبين الواقع الاجتماعي القبلي (الذي يعتمد على الصراع على السلطة والمصالح).
الأنصاري يربط هذ النظرة الدونية المعاصرة بالتجربة الإسلامية المبكرة، حيث لم تكن المشكلة في النصوص الدينية ذاتها (التي تُقدس السياسة كأداة لتحقيق العدل والمصلحة العامة)، بل في عدم بلورة مؤسسات سياسية مستقرة تستوعب التنوع الاجتماعي وتضبط الخلاف. ويعتقد ان الخلاف حول السلطة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم (مثل مسألة الإمامة والفتنة) أدى إلى ربط السياسة بالانقسام والقتل واستدامة الصراع، مما جعلها تبدو في نظر الكثيرين كانحراف عن الوحدة الدينية المثالية. وهذا التناقض في النظرة الدينية - كما يقول - أنتج نموذجاً متكرراً: السياسة تُرى كـ «عبء» يهدد النقاء الديني، بدلاً من أن تكون امتداداً له. ونتيجة لذلك، فضّل العرب (في وعيهم الجماعي) الالتزام بالمثال الديني الصرف على حساب البراغماتية السياسية، مما عمّق «القطيعة مع العقلانية السياسية» كما يصفها الأنصاري.
وهناك أيضا الأسباب الأخلاقية. يرى الأنصاري أن العرب غالباً ما ربطوا السياسة بالمكر والخصومة، وفضّلوا الأخلاق والمثل العليا (الصدق، الوفاء، العدل المطلق) على البراغماتية السياسية التي تتطلب تسويات وتوازن مصالح. هذه النظرة الأخلاقية جعلت السياسة تُهمَل أو تُرفض أخلاقياً، بينما ازدهرت مجالات الدين والثقافة واللغة.
ويعزو الانصاري ذلك إلى الانفصام بين الخطاب المثالي (الذي يطالب بالعدالة المطلقة والمساواة) والواقع السياسي (الذي يعتمد على التراتب والولاء الشخصي). فالسياسة، في هذا السياق الأخلاقي، تبدو «دونية» لأنها تتضمن عناصر «غير نقية» مثل الصراع على الشرعية والمصالح، مقابل المثال الأخلاقي الذي يعظم ويحبذ النقاء والتسامي عن الخلافات.
لذا، فهذه الأسباب الدينية والأخلاقية في تصوره ليست مجرد «ثقافية»، بل هي بنيوية أدت إلى بقاء السياسة «عبئاً» في الوعي العربي، تُفضّل عليها المثاليات الأخلاقية- الدينية. يؤكد الأنصاري أن تجاوز هذه النظرة يتطلب «اختراقاً معرفياً» يعيد تعريف السياسة كـ«إدارة للمصالح العامة» وليس صراعاً على الشرعية، مع بناء مؤسسات تحترم التنوع وتضبط الخلاف.
وتشخيص الأنصاري لصورة السياسة في العقل الجمعي العربي التي تفتقر للاحترام كـ «مهنة محترفة»، اليوم نجد المصداق الأكبر لهذا التشخيص في ظاهرة «التعريفات والالقاب السياسية» التي أصبحت تُمنح مجانا لكل معلق شاب أو محرر ميداني يمتلك مهارة الخطابة الفارغة من المعنى خلف الميكروفون. إن تحويل السياسة والدبلوماسية إلى «مهنة من لا مهنة له» هو الدليل القاطع على أن الإعلام العربي لم يتعلم المهنية بعد، بل يستسهل ويسوق «النجومية» على حساب «الموضوعية». هذا التحليل يُعد أساساً لفهم كيف تحول التحليل السياسي في الإعلام العربي، بالذات في الفضائيات، إلى «ضجيج صوتي» بدلاً من ممارسة مؤسسية. الان ربما تلاحظون ان الترويج للمذيعين والمذيعات يستهلك ربع أوقات البث، وهناك ميزانيات سخية لتسويق نجوم الفضائيات وبرامجها.. هذه سياسات واشتراطات الوكيل الاعلاني! هذه من متطلبات الذكاء الاعلام السياسي!
الذي نراه ويغرق الشاشات ويمارسه الإعلام اليوم ليس تحليلاً سياسياً بالمعنى العلمي الذي ينشده الأنصاري، بل هو «استعراض هوية». فالمحلل الحقيقي هو «جراح» يفكك المصالح والاستراتيجيات، بينما «المحلل السياسي الإعلامي» الجديد غالباً ما يكون مجرد (صدى لمشاعر الجمهور)، أو مروجاً للذات يبحث عن «الترند»! هذا الاستسهال في اختيار الضيوف وتوزيع الألقاب يعكس استمرارية النظرة الدونية للسياسة؛ فهي في نظرهم مجرد «كلام» يمكن لأي شخص ممارسته، وليست تراكماً معرفياً وخبرة في حقول الدبلوماسية والسياسة الرصينة. وتصدّر «محللين» يبحثون عن «الترند» وأضواء الشاشات يعيدنا إلى أطروحة عبد الله القصيمي الذي يقول إن الوجدان العربي يميل لاستبدال الفعل بالبلاغة، والواقع بالضجيج.
تغوّل «النجومية» وغياب المهنية ليس موضة عابرة حتى نقول دعها تمر. انها نتاج خلل هيكلي في الإعلام العربي الذي أخفق في بناء تقاليد «احترافية» تحترم عقل المشاهد. فبدلاً من استضافة الخبراء من الأكاديميين والباحثين والممارسين المختصين العارفين بموازين القوى بدقة المهني، يتم استقطاب الحماسيين. هذا الاستسهال، مع الأسف، سوف يؤدي إلى تسطيح الوعي الجماهيري العام؛ وهذا يقدم السياسة كساحة للفروسية وليس عمليه محترفة وإدارة معقدة للمصالح الوطنية. الذي يعتقد أنه محلل و(يُسوّق) ذاته على حساب الحقيقة هو الوريث الحديث لتلك «الظاهرة الصوتية»، التي تحول أعقد الأزمات الجيوسياسية إلى و(جبات سريعة) للاستهلاك الإعلامي.
الأنصاري قدّم تشخيصه هذا للخلل السياسي قبل نحو ثمانية وعشرين عاماً، ومؤلم ان الممارسات في المهنية السياسية تتراجع؛ ومعها تتراجع المهنية الإعلامية. تراجع الوعي المهني المؤسسي في الاعلام يجعله معولاً لهدم التخصص، ومكرساً للنظرة الدونية للسياسة باعتبارها مجرد (كلام حكواتي) لا يحتاج لدراسة أو تمحيص.
وحتى نكون جزء من الحل لاستعادة المهنية الاعلامية نقدم مقترح عملي. استعادة هيبة العمل السياسي والدبلوماسي تبدأ من التوقف عن منح التعريفات والألقاب الكبرى للهواة. فإذا كان القصيمي قد انتقد «الصوت» الذي يطغي على «الفعل»، فإن الأنصاري قدّم خارطة الطريق للخروج من «الخلل» عبر المؤسسية والاحتراف. وبدون إعلام يحترم كل التخصصات، سنظل ندور في حلقة مفرغة من «الضجيج السياسي» الذي لا يبني دول ولا يحرر وعياً.
وفي هذا السياق، ثمة مقترح يستحق الدعم والتبني من (معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية). نتطلع ان يعد مشروعاً متخصصاً لضبط المصطلحات والمفاهيم السياسية، ويُنتج مرشداً مهنياً موحداً للإعلام العربي.
هذا المشروع سيكون خطوة عملية لترسيخ معايير احترافية تشمل وضع التعريفات الدقيقة والموضوعية لمصطلحات مثل «محلل سياسي»، «باحث استراتيجي»، «مفكر سياسي»، و«خبير أمني استراتيجي».. وغيرها، مع تحديد الشروط الأكاديمية والممارسة العملية اللازمة لاستخدامها. كما يمكن أن يتضمن دليلاً إرشادياً للإعداد الإعلامي في ادارات الأخبار يركز على التحقق من المصادر، وتفكيك الدوافع الجيوسياسية، وتجنب الاستسهال العاطفي أو نزعات (الترند).
المعهد، بوصفه مؤسسة تعليم وتدريب ودراسات وله خبرة واسعة في قضايا السياسة الدولية منذ تأسيسه، ولديه المصداقية والقدرة على جمع خبراء أكاديميين ودبلوماسيين وإعلاميين لإنجاز هذا المرشد المهني. تبني هذه المبادرة سوف يساهم في بناء تقاليد إعلامية عربية احترافية تحترم عقل المشاهد، وتقلل من «القطيعة مع العقلانية» التي شخّصها الأنصاري، وتجعل الفعل السياسي المؤسسي بديلا لـ«الضجيج الصوتي» الذي انتقده القصيمي.
بهذه الطريقة، نتحرك في سبيل ان لا يبقى الإعلام العربي أسيراً لـ«مهنة من لا مهنة له»، بل يتحول إلى شريك في تعزيز الوعي الاستراتيجي وبناء الدول، وتنوير الشعوب.