نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
لم تكن المملكة تسير نحو المستقبل بخطواتٍ مترددة، بل انطلقت إليه بثقة القائد، وعزيمة الشعب، ووضوح الرؤية، رأينا وطنًا يعيد تعريف الممكن، ويحوّل الأحلام الكبرى إلى مشاريع قائمة، والوعود إلى واقع، والطموحات إلى منجزات يشهد بها القريب والبعيد.
في أعوام قليلة، مضت المملكة في مسار تنويع اقتصادها، وتعزيز مكانتها الاستثمارية، وتمكين القطاع الخاص، ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية، وفتح آفاق جديدة في السياحة والثقافة والترفيه والرياضة والتقنية والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة.
كما شهدنا تطورًا لافتًا في جودة الحياة، وتوسعًا في الفرص، وتمكينًا أكبر للشباب والمرأة، وحضورًا سعوديًا أكثر تأثيرًا في المحافل الإقليمية والدولية.
ولعل المنجز الأبرز في عهد الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان أن الرؤية لم تعد وثيقةً للمستقبل فقط، بل أصبحت أسلوب عمل، وثقافة وطن، وروحًا يومية يعيشها المواطن والمقيم، فأصبحنا نرى التحول في المدن، وفي الخدمات، وفي المشروعات الكبرى، وفي كفاءة الأجهزة الحكومية، وفي سرعة الإنجاز، وفي حضور المملكة العالمي.
لقد ارتبط اسم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- بوصفه قائد التحول، ومهندس الرؤية، وصاحب المشروع الوطني الكبير الذي نقل المملكة من انتظار المستقبل إلى صناعته، فمنذ توليه ولاية العهد، قاد سموه مسارًا إصلاحيًا وتنمويًا واسعًا، شمل الاقتصاد والمجتمع والإدارة والاستثمار والثقافة والرياضة والسياحة، ورسّخ صورة المملكة الجديدة: دولة واثقة، شابة، طموحة، مؤثرة، ومقبلة على العالم دون أن تتخلى عن أصالتها وهويتها وقيمها.
وفي عهد الرؤية، حضرت المشاريع الكبرى بوصفها عناوين للمستقبل السعودي؛ نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، والدرعية، والمربع الجديد، ومشروعات الرياض الكبرى، وبرامج جودة الحياة، والتحول الرقمي، وبرامج التخصيص والاستثمار، وصندوق الاستثمارات العامة الذي أصبح ذراعًا رئيسية في صناعة الفرص وبناء القطاعات الواعدة.
ولم يكن التحول السعودي محصورًا في الداخل فحسب، بل امتد أثره إلى الخارج، حتى أصبحت المملكة وجهةً للقرار السياسي، وأول محطة رسمية لرؤساء الدول بعد تنصيبهم، ومركزًا للحوار، ومنصةً للقاءات الكبرى، وقوةً سياسية لا يستهان بها في موازين المنطقة والعالم، فالسعودية اليوم لا تنتظر موقعها على طاولة القرار، بل تصنع موقعها بثقلها السياسي، ومكانتها الاقتصادية، وعمقها العربي والإسلامي، وقدرتها على بناء الجسور، وإدارة التوازنات، وطرح المبادرات التي تراعي مصالحها الوطنية وتخدم استقرار المنطقة.
لقد أثبتت المملكة في الأعوام الماضية أنها دولة تقود بعقلانية، وتتحرك بثقة، وتدير الملفات الشائكة بحكمة واقتدار، ففي الأزمات السياسية التي شهدتها المنطقة، حضرت السعودية بوصفها صوتًا للاستقرار، وداعمةً للحلول السياسية، وساعيةً إلى تخفيف التوترات، وحماية أمن المنطقة، وترسيخ مبدأ الحوار بدل الفوضى، والتنمية بدل الصراع، وبناء المستقبل بدل استنزاف الحاضر.
وفي جائحة كورونا، قدّمت المملكة نموذجًا مشرفًا في إدارة الأزمة، حين وضعت صحة الإنسان وسلامته فوق كل اعتبار، وتعاملت مع الجائحة بقرارات استباقية، وتنظيم صحي وإداري محكم، وتكامل بين الجهات الحكومية، وتسخير للتقنية، وشفافية في التواصل، ورعاية للمواطن والمقيم على حد سواء، كما مارست المملكة دورها الدولي خلال رئاستها لمجموعة العشرين في عام 2020م، فكانت حاضرة في تنسيق الجهود العالمية لمواجهة الجائحة وآثارها الاقتصادية والإنسانية.
ومن أعظم ما تفخر به المملكة، قيادةً وشعبًا، ما تقدمه من أعمال جليلة ومشرفة في خدمة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين وزوار المسجد النبوي الشريف. فخدمة الحرمين الشريفين ليست مجرد مسؤولية إدارية أو تنظيمية، بل شرف عظيم، ورسالة خالدة، وامتداد تاريخي لمكانة هذه البلاد المباركة التي جعلت رعاية قاصدي بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم في مقدمة أولوياتها.
لقد شهدت مكة المكرمة والمدينة المنورة في هذا العهد الزاهر عناية متواصلة، ومشاريع تطويرية كبرى، وخدمات متقدمة، ومنظومة متكاملة تسعى إلى تيسير رحلة الحاج والمعتمر والزائر منذ وصوله وحتى مغادرته، وتجلّى ذلك في تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الخدمات، وتسهيل الإجراءات، وتوظيف التقنية، وتحسين إدارة الحشود، والارتقاء بجودة التجربة الإيمانية لضيوف الرحمن، ليؤدوا مناسكهم في أمن وطمأنينة وسكينة.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- وبدعم ومتابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- تواصلت مشاريع الحرمين الشريفين وخدماتهما بروحٍ تليق بقدسية المكان، ومكانة الرسالة، وعظمة المسؤولية. فالمملكة لا تخدم الحجاج والمعتمرين والزوار بوصفهم أرقامًا في موسم، بل بوصفهم ضيوفًا للرحمن، لهم في هذه البلاد كل العناية، وكل الرعاية، وكل التقدير.
إن المتّمعّن يرى حقيقة المملكة: دولة قوية في قرارها، ثابتة في مواقفها، رحيمة في إدارتها للأزمات، مؤثرة في محيطها، ومسموعة الكلمة في العالم، دولة تجمع بين الحزم والحكمة، وبين الطموح والمسؤولية، وبين بناء الداخل وحماية الاستقرار الإقليمي والدولي، وبين صناعة المستقبل والوفاء بشرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.
كما أصبحت المملكة وجهةً عالمية للأحداث الكبرى؛ من استضافة المؤتمرات والقمم والبطولات العالمية، إلى الفوز باستضافة إكسبو 2030 في الرياض، والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034، في مشهد يؤكد أن السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة في صناعة الحدث، بل أصبحت تستضيفه وتقوده وتصنع أثره.
ومع الحزم والعزم، ومن الإصلاح والبناء، ومن تمكين الإنسان السعودي، ومن إعادة تشكيل الصورة الذهنية عن وطنٍ عظيم يملك التاريخ، ويصنع الحاضر، ويخطط للمستقبل بثقة لا تعرف المستحيل. ها نحن اليوم في وطنٍ نهض برؤية، وقائدٍ آمن بشعبه، وشعبٍ آمن بقيادته، ومسيرةٍ جعلت من الطموح السعودي عنوانًا عالميًا، ومن القرار السعودي رقمًا صعبًا في السياسة والاقتصاد والتنمية، ومن خدمة ضيوف الرحمن وسام شرفٍ خالدًا على جبين هذه البلاد المباركة.