الرياض -خاص بـ«الجزيرة»:
الزواج من أعظم النعم التي منحها الله للإنسان، فهو ركن أساسي في بناء الأسرة والمجتمع، والركيزة في بناء العلاقات العاطفية والصحية والأسرية.
وفي ظل المتغيرات الحياتية السريعة تزايدت حالات الطلاق والانفصال، وتفككت الكيانات الأسرية، وانهدمت بيوت الزوجية، وتعددت الأسباب وراء حدوث ذلك، وأصبح من الأهمية بمكان أن يكون هناك برامج للتأهيل الأسري، بل أضحت ضرورة حتمية للحد من الانفصال.
«الجزيرة» طرحت التساؤل عن ماهية الإرشادات والتوجيهات التي يمكن أن يقدمها المختصون في العلوم الشرعية والاجتماعية والصحية للمقبلين على الزواج من الذكور والإناث؛ فماذا قالوا؟
مسؤولية وشراكة
يؤكد الدكتور ماهر بن عبدالغني الحربي أستاذ الفقه والقضاء، رئيس قسم الفقه بكلية الحقوق بجامعة طيبة: أهم ما يحتاج إليه المقبلون على الزواج، هو أن ينظروا إلى الزواج على أنه مسؤولية وشراكة ومودة ورحمة، وليس مجرد مناسبة اجتماعية أو ارتباط عاطفي مؤقت. وكلما كان الإعداد الديني والنفسي والاجتماعي أكثر نضجًا، كانت الحياة الزوجية أكثر استقرارًا بإذن الله.
إرشادات وتوجيهات
وأشار الدكتور ماهر الحربي إلى أبرز الإرشادات والتوجيهات للمقبلين على الزواج، هي:
أولًا: حسن الاختيار، وهو سر نجاح الحياة الزوجية واستقرار الأسرة وبداية التفاهم والمودة بين الزوجين، واختيار شريك الحياة يقوم على أسس من الدين والأخلاق وحسن المعاملة قبل المظاهر المادية أو الشكلية، ويراعى في الاختيار أيضاً التوافق الفكري والاجتماعي والقيمي بين الطرفين، وعدم التسرع من الطرفين في اتخاذ قرار الموافقة والقبول تحت ضغط العاطفة أو المجتمع.
وانطلاقًا من أهمية حسن اختيار شريك الحياة، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأساس الذي تُبنى عليه السعادة والاستقرار بقوله صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
ثانيًا: فهم معنى الزواج الحقيقي: فالزواج ليس علاقة مثالية خالية من المشكلات، بل علاقة تحتاج إلى: صبر، وحوار وتعاون وتضحية متبادلة، وإدراك إلى أن الاختلاف بين الزوجين أمر طبيعي، والمهم هو حسن إدارة الخلاف.
ثالثًا: تعلم مهارات التواصل
من أهم أسباب نجاح الحياة الزوجية القدرة على الحوار الراقي، وذلك من خلال: الاستماع الجيد للطرف الآخر، واحترام المشاعر والآراء، وتجنب السخرية والتجريح ورفع الصوت، والتعبير عن الاحتياجات بوضوح وهدوء، وحل المشكلات بالحكمة لا بالعناد.
رابعًا: معرفة الحقوق والواجبات
ينبغي لكل من الزوج والزوجة معرفة: الحقوق الشرعية للطرف الآخر، والواجبات الأسرية والاجتماعية، وأهمية العدل والرحمة والتعاون داخل الأسرة، فالجهل بالحقوق والواجبات يؤدي غالبًا إلى النزاعات وسوء الفهم.
خامسًا: الواقعية في التوقعات، حيث أن عدم بناء صورة خيالية عن الحياة الزوجية من خلال وسائل التواصل أو الدراما، وتقبل وجود النقص والاختلاف البشري، والسعادة الزوجية تُبنى بالتدرج والمواقف اليومية، لا بالمثاليات.
سادسًا: الاستعداد النفسي والمادي، حيث إن القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، والاستقرار النفسي والانفعالي قبل الزواج، والتخطيط المالي الجيد وعدم الدخول في ديون مرهقة بسبب المظاهر.
سابعًا: الحفاظ على الخصوصية الأسرية؛ فعدم نشر أسرار الحياة الزوجية للآخرين، وتقليل تدخل الأهل والأصدقاء في الخلافات الزوجية، وبناء الثقة المتبادلة بين الزوجين.
ثامنًا: أهمية التأهيل الأسري قبل الزواج، أنه من المهم حضور الدورات والبرامج التأهيلية التي تساعد على: فهم طبيعة العلاقة الزوجية، وتعلم مهارات التربية والتواصل، ومعرفة أساليب حل النزاعات، وتعزيز الوعي النفسي والأسري، حيث أن التأهيل الأسري أصبح من الوسائل المهمة للحد من الطلاق وتعزيز الاستقرار الأسري.
تاسعًا: بناء العلاقة على المودة والرحمة، فالأسرة الناجحة تقوم على: الاحترام المتبادل، والكلمة الطيبة، والتقدير والشكر، والتغافل عن الأخطاء البسيطة، والتعاون في مواجهة ظروف الحياة.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).
ومما تقدم أخلص إلى: أن الزواج الناجح لا يقوم على الحب وحده، بل على الوعي والمسؤولية والتفاهم والتقوى، وأنه كلما أحسن الشاب والفتاة الاستعداد لهذه المرحلة، ازدادت فرص بناء أسرة مستقرة تسهم في قوة المجتمع وتماسكه.
ضرورة التأهيل
ويشدد الدكتور حسن بن سلطان بصفر استشاري الخدمة الاجتماعي على أن الزواج نعمة كبيرة، والتأهيل الأسري ضروري جداً لتجنب الانفصال، مقدماً بعض الإرشادات للمقبلين على الزواج، ومنها:
- التواصل الفعال: لازم يكون فيه تواصل واضح وصريح بين الزوجين، ويتعلما حل مشاكلهما معا.
- الاحترام المتبادل: لازم يحترم كل واحد منهما رغبات واحتياجات الثاني.
- الصبر والتسامح: الحياة الزوجية فيها صعود ونزول، ولا بد أن يكونا صبورين ومتسامحين.
- إدارة المال: أن يتفقا على كيفية إدارة المال وتنظيم المصاريف.
- الوقت مع بعض: لازم قضاء وقت جيد مع بعض، مع تخصيص وقت للرومانسية والترفيه. والإناث خاصة، لازم يكون عندهن قوة في اتخاذ القرارات والمشاركة في حل المشاكل. والذكور لازم يكونوا مسؤولين ويحترموا شريكاتهم ويقدروا جهدهن.
- تعلم مهارات حل النزاعات: لا بد أن يتعلما كيف يحلان خلافاتهما بطرق إيجابية.
- الدقة في الاختيار: لازم يختاروا شريك حياتهم بعناية، ويكونوا واضحين في توقعاتهم.
- الاحترام للعائلة: لازم يحترموا عائلات بعض ويحافظوا على العلاقات الأسرية.
- التخطيط للمستقبل: الاتفاق على أهدافهما المستقبلية بالتخطيط لها سويا.
- الاهتمام بالجوانب الصحية: لازم يهتموا بصحتهما النفسية والجسدية.
- الحفاظ على الرومانسية: لازم يحافظوا على الرومانسية والعلاقة العاطفية بينهما.
- وأهم شيء، لازم يعرفوا أن الزواج مسؤولية مشتركة، ويحتاج إلى جهد وتضحية من الطرفين.
قرارات مصيرية
وتؤكد الدكتورة دعد قرقوط أخصائية أمراض النساء والولادة بالرياض أن الزواج من أهم القرارات المصيرية في حياة الإنسان من الذكور أو الإناث، وهي شراكة طويلة الأمد تقوم على التفاهم والمسؤولية والاحترام المتبادل بين الشريكين، وقبل الإقدام على هذه الخطوة من الضروري أن يهيئ كل من الطرفين نفسه نفسياً وصحياً لضمان بناء علاقة مستقرة وسعيدة مع بناء أسرة وأبناء أصحاء، والاستعداد الجيد للزواج لا يعني الكمال بل يعني الوعي.
فحوصات شاملة
ونصحت الدكتورة دعد قرقوط أخصائية النساء والولادة بالرياض المقبلين على الزواج قبل الدخول في الحياة الزوجية أو بالمراحل الأولى ينبغي على الزوجين الخضوع لفحوصات صحية شاملة، ويمكن اختيار طبيب للأسرة لاستشارته، حيث يوجد فحوصات أولية ما قبل الزواج لأنه إجراء ضروري، وتشمل:
1 - فحص دم شامل لمعرفة فصيلة الدم ونسبة الحديد.
2 - اضطراب الدم الوراثي، مثل: المنجلية أو الثلاسيميا.
3 - الأمراض المعدية المنقولة بالدم والأمراض المنقولة جنسياً مثل: الكبد الوبائي ج و ب، وفيروس نقص المناعة، وهذه فحوصات إلزامية.
4 - التوافق الوراثي لاحتمال وجود أمراض وراثية تنقل إلى الأطفال.
5 - التأكد من أخذ اللقاحات مثل: الحصبة الألمانية فهي مهمة للمرأة حتى تحمي نفسها من احتمال الإصابة وهي حامل مما يؤدي إلى تشوهات للجنين وحتى حدوث إسقاط، ولقاح الكبد الوبائي ب، لقاح التيتانوس، ولقاح الورم الحليمي فهي تحمي الأم والجنين.
6 - الصحة الإنجابية عند الحاجة. ويمكن للمرأة التأكد من انتظام الدورة وفحص الرحم والمبيض. ويمكن للرجل أيضاً للاطمئنان إذا لزم الأمر ووجدت شكوك.
7 - من الضروري للصحة الجسدية والنفسية التأكد من الاستقرار النفسي وإزالة التوتر والقلق والاكتئاب إذا وجد لأنه يفضل علاجه وعدم تجاهل الأمر.
وأضافت د. دعد قرقوط أخصائية أمراض النساء والولادة بالرياض قائلة: من الأهمية بمكان اتباع العادات السليمة والتغذية الصحية لتصبح منهجا يتبعه كل أفراد الأسرة لحياة سليمة خالية من العادات السيئة في الأكل مثل: الوجبات السريعة المشبعة بالدهون والمواد الحافظة، ولابد من اتباع الأكل الصحي وممارسة الرياضة والحفاظ على الوزن، والإقلاع عن التدخين، وعلاج أي مشاكل أو أمراض مزمنة إن وجدت، كما أنه يوجد نقطة مهمة وهي أن الهدف من الفحوصات والنصائح الصحية ليس منع الزواج بل الهدف الوعي واتخاذ القرار الصحي والنصائح اللازمة لحياة أفضل.