«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في المشهد الثقافي السعودي الجديد، لم تعد الفنون تُقدَّم بوصفها نشاطًا ترفيهيًا موسميًا، ولا باتت الورش الإبداعية مجرد مساحة لتمضية الوقت، بل أصبحت جزءًا من مشروع ثقافي أوسع يستثمر في الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية وصانع المستقبل. ومن هذا المنطلق يأتي برنامج «صيف 2026» الذي أطلقته ساموكا جاكس في الدرعية، ليقدّم نموذجًا ثقافيًا يتجاوز مفهوم الفعاليات التقليدية نحو بناء جيل جديد يمتلك أدوات التعبير والابتكار والخيال.
ويمتد البرنامج خلال الفترة من 12 يوليو حتى 29 أغسطس 2026، جامعًا بين الفنون البصرية والحرف الإبداعية والتجارب التعليمية والأنشطة السينمائية في مساحة واحدة، تعكس التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي السعودي، حيث تتكامل الفنون والمعرفة والتقنية في صناعة تجربة ثقافية متكاملة تستهدف الأطفال واليافعين والعائلات.
ولا يبدو اختيار الدرعية لاستضافة البرنامج تفصيلًا تنظيميًا عابرًا، فهي المكان الذي تتجاور فيه الذاكرة الوطنية مع طموحات المستقبل، لتصبح البيئة الثقافية المحيطة جزءًا من التجربة نفسها. فهنا يلتقي التاريخ بالإبداع المعاصر، وتتحول الفنون إلى لغة تربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، دون أن تفصلها عن العالم أو عن أدواته الحديثة.
ويمنح «صيف 2026» المشاركين فرصة الانخراط في تجارب عملية متنوعة تشمل الخزف والنسيج وصناعة الورق والتصميم الصوتي والتصوير والسرد القصصي، وهي مجالات تبدو للوهلة الأولى متباعدة، لكنها تلتقي جميعها عند فكرة واحدة: بناء الحس الإبداعي وتنمية القدرة على التعبير وصناعة المعنى.
فحين يتعلم الطفل تشكيل قطعة خزفية، أو يكتشف أسرار النسيج، أو يجرب كتابة قصة قصيرة، أو يلتقط صورة تحكي حكاية، فإنه لا يكتسب مهارة فنية فحسب، بل يتعلم كيف يلاحظ العالم ويقرأ تفاصيله ويعيد إنتاجها بلغته الخاصة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للفنون؛ باعتبارها وسيلة لبناء الخيال وتعزيز التفكير النقدي وتوسيع أفق المعرفة.
وفي هذا السياق، أوضح الرئيس التنفيذي لهيئة المتاحف المهندس عبدالله بن عبدالعزيز الحماد أن البرنامج يهدف إلى تمكين وإلهام المواهب الناشئة عبر أنشطة تعكس ثراء الإبداع السعودي وتنوعه، مؤكدًا أن ساموكا جاكس تواصل أداء دورها بوصفها حاضنة للتجريب الفني والتبادل الثقافي، تجمع مختلف الأعمار والخلفيات ضمن مساحة مفتوحة للحوار والإبداع.
وتكتسب المبادرة بعدًا إضافيًا من خلال الشراكات الثقافية والمعرفية التي تسهم في إثراء محتواها؛ إذ تقدم «فنون التراث» ورشًا تستلهم الحرف التقليدية السعودية وتعيد تقديمها بلغة معاصرة، بما يعكس قدرة التراث على التجدد والتحول إلى مصدر إلهام للأجيال الجديدة. كما تطرح «نوليوم» تجارب تعليمية تفاعلية تجمع بين الثقافة والعلوم والابتكار، فيما تسهم «كولور ثيوري» في توفير بيئة تطبيقية تتيح للمشاركين استكشاف الألوان والخامات وتطوير مهاراتهم الفنية والبصرية.
وفي موازاة ذلك، يتقاطع البرنامج مع مبادرة «صيف SAIF 2026» التابعة لهيئة الأفلام السعودية، والتي تمتد خلال الفترة ذاتها بالشراكة مع عدد من الجهات الثقافية والإبداعية، لتقدم برامج متخصصة لليافعين في مجالات صناعة الأفلام والسرد البصري والتصوير والإخراج والمونتاج، إلى جانب عروض سينمائية مختارة تسهم في ترسيخ الثقافة السينمائية وتعريف المشاركين بمهن القطاع وفرصه المستقبلية.
وتكشف هذه الشراكات عن تحول مهم في المشهد الثقافي السعودي؛ إذ لم تعد الحرف التقليدية والفنون البصرية والسينما مجالات منفصلة، بل أصبحت أجزاء من منظومة إبداعية متكاملة تسعى إلى بناء الإنسان المبدع القادر على تحويل أفكاره إلى مشاريع، وخياله إلى معرفة، ومعرفته إلى قيمة ثقافية واقتصادية.
ومن هنا، تتجاوز أهمية «صيف 2026» حدود الورش والعروض والفعاليات؛ لأنه يعكس فلسفة ثقافية جديدة تقوم على الانتقال من استهلاك الثقافة إلى إنتاجها، ومن حضور الجمهور إلى صناعة المبدعين، ومن تلقي المعرفة إلى المشاركة في تشكيلها.
فالمملكة اليوم لا تبني بنية تحتية ثقافية فحسب، بل تعمل على بناء بنية إنسانية قادرة على قيادة المستقبل الإبداعي، عبر الاستثمار في الأطفال واليافعين بوصفهم الجيل الذي سيكتب القصص المقبلة، ويصنع الأفلام القادمة، ويبتكر أشكالًا جديدة من التعبير الثقافي.
وربما تكمن القيمة الأعمق لمثل هذه البرامج في أنها لا تعلّم المشاركين كيف يصنعون قطعة خزف أو ينسجون خيطًا أو يلتقطون صورة أو يكتبون قصة فقط، بل تمنحهم شيئًا أكثر أهمية: القدرة على النظر إلى العالم بعين أكثر فضولًا ووعيًا، وتحويل الخيال إلى إبداع، والإبداع إلى أثر، والأثر إلى جزء من الحكاية الثقافية السعودية التي تتشكل اليوم بثقة وطموح غير مسبوقين.