«الجزيرة - وائل العتيبي:
ليست السينما شاشة تُضاء ثم تنطفئ بانتهاء العرض، بل ذاكرةٌ تُكتب بالصورة، وهويةٌ تعيد الشعوب اكتشاف نفسها كلما روت حكاياتها بصدق. ومن هذا المعنى العميق، افتتح مهرجان أفلام السعودية مساء الجمعة دورته الثانية عشرة في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، ليعلن أن السينما السعودية تجاوزت مرحلة البحث عن مكانها، وأصبحت تنشغل بسؤال أكثر نضجًا: كيف يمكن للحكاية المحلية أن تتحول إلى خطاب ثقافي عالمي؟
وتأتي الدورة التي تنظمها جمعية السينما بالشراكة مع مركز إثراء وبدعم من هيئة الأفلام خلال الفترة من 26 يونيو حتى 2 يوليو، تحت شعار «كل حكاية رحلة»؛ وهو شعار لا يصف الفيلم بوصفه منتجًا فنيًا فحسب، بل يقدمه باعتباره تجربة إنسانية تبدأ من قلق الفكرة، وتمر بمخاض الكتابة والإنتاج، قبل أن تبلغ ذروتها حين تلتقي الصورة بجمهورها، فتبدأ رحلة جديدة داخل ذاكرة المتلقي.
وفي وقت تشهد فيه المملكة تحولًا غير مسبوق في الصناعات الثقافية والإبداعية، بدا افتتاح المهرجان أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في مسيرة السينما السعودية؛ مرحلة لم يعد فيها الفيلم مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح أحد مكونات القوة الثقافية للمملكة، وجسرًا للحوار مع العالم، وأداة لإعادة سرد الحكاية السعودية بلغتها الإنسانية الواسعة.
ولم يكن اختيار الفيلم الوثائقي القصير «ملك الأكتاف» للمخرجة مرام الخالدي لافتتاح الدورة اختيارًا فنيًا فقط، بل حمل دلالة ثقافية عميقة؛ إذ أعاد الفيلم قراءة البشت السعودي بوصفه رمزًا للهوية والوجاهة والذاكرة الاجتماعية، ليؤكد أن السينما السعودية لا تكتفي برصد الواقع، بل تعيد اكتشاف عناصر الثقافة المحلية وتحولها إلى لغة بصرية قادرة على مخاطبة العالم دون أن تفقد خصوصيتها.
وفي كلمتي الافتتاح، رسم كل من نائب مدير المهرجان والمستشار الثقافي في «إثراء» طارق الخواجي، ورئيس مجلس إدارة جمعية السينما الدكتور عبدالرحمن الغنام، ملامح مشروع يتجاوز تنظيم مهرجان سنوي، إلى بناء منظومة سينمائية متكاملة تستثمر في الإنسان، والمعرفة، والإنتاج، والتبادل الثقافي.
واستعاد الدكتور الغنام البدايات الأولى للمهرجان قبل سبعة عشر عامًا، مؤكدًا أن الرهان الحقيقي كان على الإيمان بأن السينما ليست ترفًا ثقافيًا، بل وسيلة لحفظ الذاكرة، وتوثيق التحولات الاجتماعية، ومنح الإنسان فرصة لرؤية ذاته والعالم من منظور أكثر اتساعًا، وهو الرهان الذي تبدو ثماره اليوم أكثر وضوحًا في اتساع التجربة السعودية وتنوع أصواتها السينمائية.
أما طارق الخواجي، فكشف بالأرقام عن حجم التحول الذي تقوده «إثراء» في دعم الصناعة؛ إذ وصلت الأفلام المدعومة من المركز إلى 162 مهرجانًا دوليًا، وقدمت 85 فيلمًا سعوديًا في مجالات الفيلم الروائي والوثائقي والواقع الافتراضي، وحصدت 56 جائزة دولية في 33 دولة. وهي أرقام لا تعكس نجاح أفلام منفردة بقدر ما تؤكد تشكل بيئة إنتاجية تؤمن بأن القصة المحلية الصادقة قادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي. كما أعلن إطلاق استقبال طلبات التمويل عبر اثنتي عشرة فئة تشمل الأفلام الروائية والوثائقية القصيرة والطويلة، في خطوة تعزز استدامة الصناعة وتوسع فرص المبدعين.
ويكتسب تكريم المخرجة السعودية هيفاء المنصور هذا العام بعدًا رمزيًا يتجاوز الاحتفاء بمسيرة شخصية؛ فهو احتفاء بجيل أسهم في فتح أبواب السينما السعودية على العالم، ورسخ حضورها في المهرجانات الدولية، قبل أن تتحول صناعة الفيلم اليوم إلى مشروع وطني متكامل يحظى بالدعم المؤسسي، ويواصل بناء هويته بثقة.
وتكشف الدورة الثانية عشرة عن اتساع حضور المهرجان على المستويين المحلي والدولي؛ إذ استقبل 314 مشاركة، منها 249 فيلمًا و65 مشروعًا لسوق الإنتاج، فيما اختير 50 فيلمًا من أكثر من 15 دولة للمشاركة في برامجه المختلفة، تتنافس على تسع جوائز للنخلة الذهبية، بما يعكس المكانة التي بات يحتلها المهرجان على خارطة المهرجانات السينمائية العربية.
ولأن السينما تزدهر بالحوار مع التجارب الأخرى، يفتح المهرجان هذا العام نافذة على السينما الكورية بالتعاون مع مهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة. ولا تقتصر أهمية هذه الاستضافة على عرض أفلام من ثقافة مختلفة، بل تكمن في استحضار واحدة من أبرز التجارب العالمية التي نجحت في تحويل السينما المحلية إلى قوة ناعمة ذات تأثير عالمي، بما يمنح صناع الأفلام السعوديين مساحة للتأمل في مسارات التطور، وتبادل الخبرات، واستلهام التجارب دون التفريط بخصوصية الهوية.
كما يجسد محور «سينما الرحلة» فلسفة الدورة بصورة عملية، مستلهمًا مفهوم «سينما الطريق»، حيث تتحول الرحلة من انتقال جغرافي إلى تحوّل إنساني يعيد تشكيل الشخصيات، ويكشف علاقتها بالمكان والذاكرة والانتماء، في قراءة تؤكد أن أعظم الرحلات في السينما ليست تلك التي تقطع المسافات، بل التي تغير الإنسان.
ولا يقتصر المهرجان على العروض السينمائية، بل يرسخ حضوره بوصفه منصة معرفية متكاملة من خلال سوق الإنتاج، والدروس المتقدمة، والورش التدريبية، والندوات المتخصصة، و«لقاء الخبراء»، وإصدارات الموسوعة السعودية للسينما، في تأكيد أن صناعة الفيلم لا تُبنى بالكاميرا وحدها، بل بالمعرفة، والنقد، والتدريب، وتراكم الخبرات.
وبعد ثمانية عشر عامًا من انطلاقته الأولى، يبدو مهرجان أفلام السعودية وقد تجاوز دوره بوصفه مناسبة سنوية لعرض الأفلام، ليصبح مؤسسة ثقافية تؤمن بأن السينما ليست صناعة للترفيه فحسب، بل صناعة للوعي والذاكرة والخيال. وبين الأفلام التي تُعرض، والمشاريع التي تولد، والحوارات التي تُدار، تتشكل ملامح سينما سعودية أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على أن تروي حكايتها بلغتها الخاصة، وأن تجعل من كل حكاية.. رحلةً نحو العالم.