«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في عالم تتراجع فيه طوابير المراجعات الورقية أمام ضغطة زر، لم تعد المنصات الحكومية الرقمية مجرد أدوات لتقديم الخدمات، بل أصبحت واجهةً تعكس علاقة الدولة بالمجتمع، ومقياسًا لمدى قدرة المؤسسات على بناء الثقة والتواصل الفعّال مع الجمهور.
ومن هذا المنطلق، كشفت دراسة علمية حديثة بجامعة الملك سعود عن العوامل التي تشكل اتجاهات المواطنين والمقيمين نحو المنصة الوطنية الموحدة (GOV.SA)، مقدمة قراءة معمقة في كيفية تفاعل المستخدمين مع واحدة من أبرز بوابات الخدمات الحكومية الرقمية في المملكة.
وأجازت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود رسالة ماجستير للباحث ريان بن عبدالسلام مال من قسم الإعلام بعنوان: «العوامل المؤثرة في اتجاهات الجمهور نحو الأداء الاتصالي للمنصات الخدمية السعودية الرقمية: المنصة الوطنية الموحدة نموذجاً»، وذلك تحت إشراف الأستاذ المشارك الدكتور هيثم محمد يوسف يونس، وبحضور لجنة المناقشة المكوّنة من الدكتور عادل عبدالقادر المكينزي والدكتور فيصل مونس العنزي.
وتأتي الدراسة في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة في مجال الحكومة الرقمية، حيث سعت إلى فهم العوامل الاتصالية والتقنية والاجتماعية والنفسية والشخصية التي تسهم في تشكيل صورة المنصات الحكومية لدى الجمهور، ومدى تأثيرها في قبول المستخدمين للخدمات الرقمية وتفاعلهم معها.
واعتمد الباحث على منهج المسح الإعلامي بوصفه دراسة وصفية، مستخدمًا استبانة إلكترونية شملت 450 مشاركًا من السعوديين وغير السعوديين داخل المملكة، فيما استند الإطار النظري إلى نموذج قبول التكنولوجيا (TAM)، أحد أبرز النماذج العلمية المستخدمة عالميًا لتفسير سلوك الأفراد تجاه التقنيات الحديثة. وأظهرت النتائج أن المنصة الوطنية الموحدة نجحت في تحقيق مستوى مرتفع من القبول والثقة لدى الجمهور، إذ أبدى 72 في المائة من المشاركين اتجاهات إيجابية تجاه أدائها الاتصالي وخدماتها الرقمية، ما يعكس تنامي حضور المنصات الحكومية بوصفها قناة رئيسة للتفاعل بين المستفيد والمؤسسة الحكومية.
وكشفت الدراسة أن سرعة إنجاز الخدمات والحصول على معلومات موثوقة ووضوح الإجراءات كانت أبرز الأسباب التي تدفع المستخدمين إلى الاعتماد على المنصة، في مؤشر يعكس تحوّل توقعات الجمهور من مجرد الحصول على الخدمة إلى البحث عن تجربة رقمية متكاملة تتسم بالكفاءة والوضوح وسهولة الوصول.
كما أظهرت النتائج أن تنوع قنوات التواصل الرقمية جاء في مقدمة عناصر القوة التي يقدّرها المستخدمون، تلاه وضوح الرسائل الاتصالية واعتماد أسلوب مباشر في مخاطبة المستفيدين، إلى جانب توفير المحتوى بأكثر من لغة ومراعاة الطابع الرسمي والتنظيمي للمعلومات المقدمة. وأكدت الدراسة ارتفاع مستويات الدقة والمصداقية في المحتوى المنشور عبر المنصة، ومدى توافقه مع احتياجات المستخدمين، فيما أشارت إلى أن سرعة الاستجابة وتحديث المحتوى لا تزال تمثل مجالًا قابلًا للمزيد من التطوير، بما يعزز من تجربة المستفيد ويرفع مستوى التفاعل المباشر معه.
وقدمت الدراسة عددًا من التوصيات الرامية إلى تعزيز فعالية التواصل الرقمي، من أبرزها التوسع في إنتاج المحتوى الإرشادي المرئي والإنفوجرافيك لتبسيط الإجراءات الحكومية، إلى جانب تطوير أدوات التفاعل الفوري مثل خدمات المحادثة المباشرة، بما يسهم في رفع مستوى المشاركة وتحسين تجربة المستخدم. ولا تتوقف أهمية هذه الدراسة عند حدود تقييم منصة حكومية بعينها، بل تمتد إلى قراءة أوسع لمستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية في القطاع العام؛ فكلما ازدادت قدرة المنصات الرقمية على الجمع بين الكفاءة التقنية والبعد الإنساني، تعززت ثقة الجمهور وارتفعت جودة الخدمات، وهو ما يتقاطع مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الساعية إلى بناء حكومة رقمية أكثر كفاءة وفاعلية وقربًا من المستفيد.