نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
في يوم الأب، لا نحتفي بشخصٍ عابر في حياتنا، بل نحتفي بمعنى كبير اسمه السند، وبظلٍّ لا يشبهه ظل، وبقلبٍ قد لا يُكثر الكلام، لكنه يُكثر العطاء، وقد لا يُظهر الحنان كما ننتظره، لكنه يزرعه في تفاصيل الحياة بصمتٍ ووفاء.
الأب ليس مجرد اسمٍ في شهادة الميلاد، ولا حضورًا في زوايا البيت، بل هو حكاية عمرٍ كاملة؛ تعبٌ صامت، ودعاءٌ خفي، وخوفٌ مغلّف بالقوة، وفرحٌ لا يكتمل إلا حين يرى أبناءه بخير.
هو ذلك الرجل الذي يخفي ما يشعر به، لكنه يترجمها في سعيه، وصبره، ووقوفه، وتضحياته التي لا تُعلن.
وقد عظّم الله شأن الوالدين، وجعل الإحسان إليهما من أعظم القربات، فقال سبحانه في كتابه عزّ وجلّ:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .
وهذه الآية العظيمة تكشف لنا أن برّ الوالدين ليس خُلقًا حسناً فحسب، بل عبادةٌ وقيمةٌ ووفاءٌ لا يليق بالإنسان أن يغفل عنها، ولا أن يؤجلها حتى يفقد ذلك الصوت، وبركة الحضور، ونعمة الدعاء.
وجاء في الحديث الشريف:
«الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنة»
وما أعظمها من منزلة، حين يكون الأب بابًا من أبواب الجنة، وحين تصبح الكلمة الطيبة له، والجلوس معه، والابتسامة في وجهه، وخفض الجناح له، شيئًا من الوفاء لسنواتٍ منحنا فيها عمره دون أن ينتظر المقابل.
إن الأب قد لا يلبي كل ما نطلب، لا لأنه لا يريد، بل لأن متطلبات الحياة أحيانًا تكون أكبر من استطاعته، وأثقل من يديه، وأقسى من رغبته، ولو كان الأمر بيده، لعاد إلينا حاملًا السماء، ولأحضر لنا النجوم، ولجعل من المستحيل طريقًا نمشي عليه مطمئنين.
الأب لا يعتذر كثيرًا عن عجزه، لكنه يتألم في داخله إن قصّر، ويحزن بصمت إن لم يستطع، وربما لا نعرف نحن حجم ما يحمله إلا حين نكبر، وحين نفهم أن بعض الحُب لا يقال، وإنما يُدفع من العمر، ومن الصحة، ومن الراحة، ومن الأحلام المؤجلة.
الأم، ولا شيء يشبه الأم، تحمل ابنها في أحشائها تسعة أشهر، وتمنحه من روحها ووجعها وحنانها ما لا يقدر بثمن، أما الأب، فإنه يحمل همّ أبنائه العمر كله؛ يحمل قلقهم، ومستقبلهم، وحاجاتهم، وخوفه عليهم، ودعاءه لهم، حتى وإن كبروا، وحتى وإن ظنوا أنهم لم يعودوا بحاجة إليه.
الأب يسعده أن يراك سعيدًا، ويطمئن قلبه حين يرى ابتسامتك، ويفرح لنجاحك أكثر مما يفرح لنجاح نفسه، وقد ترى دمعة فخر، أو ربما ابتسامة بصمت، أو يكتفي بكلمة قصيرة، لكن قلبه في تلك اللحظة يكون ممتلئًا بك كما لو أنك إنجازه الأجمل في هذه الحياة.
والأب هو الوحيد الذي يتمنى بصدق أن تكون أفضل منه؛ لا يغار من نجاحك، ولا تضيق عينه بتفوقك، بل يرى ارتفاعك امتدادًا له، ويرى تقدمك عزّا له، ويرى في كل خطوةٍ لك نحو المجد إجابةً لدعاءٍ قديمٍ كان يردده في الخفاء.
في يوم الأب وبكل محبة وامتنان: شكرًا لكل أبٍ كان وطنًا صغيرًا لأبنائه، شكرًا لكل يدٍ تعبت لتمنح، ولكل قلبٍ خاف بصمت أو غضب، ولكل أب أخفى وجعه حتى لا يُثقل على من يحب. ولمن كان أباه حيًا، فليغتنم وجوده؛ فالقرب من الأب نعمة، وصوته نعمة، ودعاؤه نعمة، والجلوس معه عمرٌ لا يُعوّض، قبّلوا رؤوس آبائكم، واقتربوا منهم، واسمعوا أحاديثهم، فإن بعض النعم لا نعرف قدرها إلا بعد غيابها.
ولمن رحل أباه عن الدنيا، فليعلم أن البر لا ينقطع؛ فالدعاء له، والصدقة عنه، وذكر محاسنه، وصلة من كان يحب، كلها أبواب وفاءٍ لا تُغلق، ورسائل حبٍ تصل إليه بإذن الله وإن غاب الجسد.
سلامٌ على الآباء في يومهم، وسلامٌ على تلك القلوب التي تشبه الجبال ثباتًا، وتشبه المطر عطاءً، وتشبه الدعاء طهرًا.
جزى الله والدينا عنّا خير الجزاء.
{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.
** **
- كاتب وباحث في الشؤون الاجتماعية