«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات العمرانية، لم يعد التحدي الحقيقي مقتصرًا على الحفاظ على المباني التاريخية، بل امتد إلى صون المعرفة الكامنة فيها؛ تلك المعرفة التي تروي كيف تشكّلت المدن، وكيف استجابت العمارة لخصوصية البيئة والمناخ والثقافة، حتى غدت جزءًا أصيلًا من هوية المكان وذاكرة المجتمع.
ولم يعد الحديث عن التراث اليوم محصورًا في ترميم الجدران أو إعادة تأهيل المباني، بل أصبح ينصرف إلى حفظ «الذاكرة المعمارية» بكل ما تحمله من تفاصيل إنشائية، وأنماط بناء، وقيم اجتماعية، وسرديات تاريخية. وفي هذا التحول، تبرز الرقمنة بوصفها إحدى أهم الأدوات التي تعيد تعريف مفهوم الحفاظ العمراني، إذ لم تعد التقنية مجرد وسيلة للتوثيق، وإنما أصبحت لغة جديدة لحماية التراث وإعادة تقديمه للأجيال المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يستضيف استديو بوتقة في الدرعية، يوم 4 يوليو، ورشة «التوثيق والرقمنة في العمارة السعودية»، التي تقدمها المهندسة المعمارية روان الهولان، المتخصصة في التراث الثقافي والحفاظ العمراني، في لقاء يهدف إلى نقل المشاركين من مرحلة قراءة المبنى التراثي إلى مرحلة بناء «توأمه الرقمي»، بما يضمن حفظ تفاصيله وقيمته التاريخية للأجيال القادمة.
وتنطلق الورشة من رؤية علمية تؤكد أن التوثيق الحقيقي لا يبدأ بعدسة الكاميرا أو بأجهزة المسح ثلاثي الأبعاد، بل يبدأ بفهم المكان وقراءة سياقه التاريخي والثقافي والإنساني. فالمبنى التراثي ليس كتلةً إنشائية صامتة، بل وثيقة حية تختزن أنماط العيش، وتعكس تفاعل الإنسان مع بيئته، وتحفظ خبرات تراكمت عبر قرون.
ولهذا، تجمع الورشة بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، إذ يتعرف المشاركون على منهجيات تحليل المباني التراثية وقراءة عناصرها المعمارية والإنشائية، قبل الانتقال إلى استخدام تقنيات التوثيق الرقمي والمسح ثلاثي الأبعاد لإنتاج نماذج رقمية عالية الدقة، يمكن توظيفها في الترميم، والبحث العلمي، والتعليم، وإدارة المواقع التراثية، بما يحفظ خصائصها المعمارية ويضمن استدامة المعرفة المرتبطة بها.
وتكتسب هذه الورشة أهمية مضاعفة في ظل التحول الذي تشهده المملكة مع إطلاق العمارة السعودية، بوصفها مفهومًا عمرانيًا متكاملًا يعيد الاعتبار للطراز المعماري المحلي، ويؤسس لمدن معاصرة تستلهم هويتها من إرثها الثقافي، وتوازن بين الأصالة والحداثة. فالرهان لم يعد على تشييد مبانٍ جديدة فحسب، بل على إنتاج بيئة عمرانية تعبّر عن الشخصية السعودية، وتترجم تنوعها الثقافي والجغرافي إلى لغة معمارية معاصرة.
وفي هذا السياق، تمثل خريطة العمارة السعودية، التي تضم 19 طرازًا معماريًا مستوحى من الخصائص الجغرافية والثقافية للمملكة، تحولًا نوعيًا في قراءة المشهد العمراني الوطني. فهي لا تكتفي بتوثيق أنماط البناء التقليدية، بل تقدم مرجعًا تصميميًا يستلهم خصوصية كل منطقة، ويحولها إلى مصدر إلهام للمشروعات المستقبلية، بما يعزز استدامة الهوية المعمارية للمملكة.
غير أن الحفاظ على هذا التنوع لا يتحقق بالموجهات التصميمية وحدها، بل يتطلب إنشاء أرشيف رقمي وطني شامل، يوثق المباني التاريخية وتفاصيلها الدقيقة، ويشكل قاعدة بيانات علمية يمكن الرجوع إليها في أعمال الترميم، والدراسات الأكاديمية، والتخطيط العمراني، وحتى في تطبيقات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، التي باتت تعتمد على البيانات المكانية الدقيقة لإعادة بناء البيئات التاريخية ومحاكاتها.
ومن هنا، لم تعد الرقمنة خيارًا تقنيًا، بل غدت ضرورة استراتيجية لحماية التراث. فالنماذج الرقمية ثلاثية الأبعاد لا تحفظ الشكل الهندسي للمبنى فحسب، وإنما توثق أبعاده، ومواد بنائه، وعناصره الزخرفية، وحالته الإنشائية، بما يتيح إعادة دراستها أو ترميمها أو إعادة بنائها عند الحاجة، كما تفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين، والمؤسسات التعليمية، والقطاع السياحي لتقديم التراث بأساليب تفاعلية تتجاوز حدود العرض التقليدي.
وتنسجم هذه التوجهات مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تنظر إلى التراث بوصفه موردًا ثقافيًا واقتصاديًا يسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز جاذبية المدن، وتنمية الاقتصاد الإبداعي، وتمكين الكفاءات الوطنية في مجالات العمارة، والحفاظ العمراني، والتقنيات الرقمية. كما تعكس توجه المملكة نحو بناء مدن حديثة تحافظ على ذاكرتها، وتستثمر هويتها بوصفها عنصرًا من عناصر التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تأهيل جيل جديد من المختصين يمتلك القدرة على الجمع بين الحس المعماري، والوعي التاريخي، وإتقان أدوات الرقمنة. وهي رسالة تسعى الورشة إلى ترسيخها، عبر تأكيد أن التقنية لا يمكن أن تحل محل المعرفة، بل تستمد قيمتها من فهم عميق للمكان، ومن إدراك أن كل حجر في المباني التراثية يحمل قصة تستحق أن تُروى، وأن تُحفظ.
وتجسد المهندسة روان الهولان هذا التوجه من خلال اهتمامها بالحفاظ العمراني، وتوثيق التراث الثقافي، وتوظيف التقنيات الحديثة لإبراز قيمته، انطلاقًا من إيمانها بأن الهوية لا تُصان بالحنين إلى الماضي، بل بإعادة قراءته، وتوثيقه، وإتاحته للأجيال المقبلة بأدوات العصر.
وفي ظل ما تشهده المملكة من نهضة عمرانية غير مسبوقة، تبدو مثل هذه الورش أكثر من مجرد برامج تدريبية؛ فهي استثمار في المعرفة، وتأهيل للكفاءات، وبناء لوعي جديد ينظر إلى التراث بوصفه موردًا للمستقبل، لا أثرًا من الماضي. كما تؤكد أن حماية الهوية لا تبدأ عند اكتمال مشاريع الترميم، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي نقرر فيها توثيق المكان، وفهمه، وحفظ ذاكرته.
فالمستقبل لا يُبنى بمدن حديثة فحسب، بل بمدن تعرف جذورها، وتحفظ ذاكرتها، وتستثمر إرثها الثقافي في صناعة غدها. وبين الحجر والتقنية، وبين الذاكرة والابتكار، ترسم العمارة السعودية ملامح مرحلة جديدة، يصبح فيها التراث شريكًا في التنمية، ومصدرًا للإبداع، وجسرًا يصل الماضي بالمستقبل.