«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الاقتصاد الرقمي، لم تعد الأغنية الأصلَ الأكثر قيمة، بل أصبحت المنصة التي تُبث عبرها، والجمهور الذي يتفاعل معها، والبيانات التي تنتجها، والحقوق التي تكفل استدامة استثمارها. ومن هذا المنطلق، لا تبدو القضية الدائرة بين الفنانة إليسا وشركة «وتري» مجرد نزاع تعاقدي حول إدارة محتوى أو ملكية قناة على «يوتيوب»، بل تعكس تحولًا بنيويًا في مفهوم الملكية داخل الصناعات الإبداعية العربية.
فالقضية، في جوهرها، تتجاوز حدود الخلاف بين طرفين لتطرح سؤالًا استراتيجيًا قد يعيد تشكيل العلاقة بين الفنانين وشركات الإنتاج في المنطقة: من يملك القيمة الاقتصادية للفنان في العصر الرقمي؟ أهي الأغنية بوصفها منتجًا فنيًا؟ أم المنصة التي تصل بها إلى الجمهور؟ أم الهوية الرقمية التي غدت تمثل رأس المال الحقيقي للمبدع؟
فعلى مدى عقود، كانت شركات الإنتاج تهيمن على دورة صناعة الموسيقى بأكملها؛ بدءًا من اكتشاف المواهب، مرورًا بتمويل الإنتاج وتوزيع الألبومات، وانتهاءً بالتسويق. وكانت قيمة الفنان تُقاس بحجم مبيعات ألبوماته وإيرادات حفلاته.
غير أن الاقتصاد الرقمي أعاد صياغة هذه المعادلة جذريًا؛ فأصبحت المنصات الرقمية هي السوق، وغدا الجمهور أصلًا اقتصاديًا، بينما تحولت البيانات والخوارزميات إلى أدوات تحدد حجم الانتشار والعائدات. ولم تعد الأغنية تُباع مرة واحدة، بل باتت تحقق دخلًا متجددًا عبر البث، والإعلانات، والترخيص، وإعادة الاستخدام. وهكذا انتقلت صناعة الموسيقى من اقتصاد بيع المنتج إلى اقتصاد إدارة الأصول الرقمية.
وكشفت هذه القضية أن الهوية الرقمية للفنان لم تعد مجرد وسيلة للتواصل مع الجمهور، بل أصبحت أصلًا اقتصاديًا واستثماريًا مستقلًا.
فقناة الفنان على «يوتيوب»، وحساباته الرسمية، ومكتبته الموسيقية الرقمية، وقاعدة متابعيه، جميعها أصول تولد قيمة مالية مستدامة، وتمنح صاحبها نفوذًا في سوق يعتمد على الوصول إلى الجمهور أكثر من اعتماده على امتلاك التسجيلات.
ومن ثم، لم يعد النزاع يدور حول أغنية أو ألبوم، بل حول السيطرة على أصل رقمي قادر على توليد العوائد لسنوات طويلة. كما تكشف القضية أيضًا أن كثيرًا من العقود الفنية المبرمة قبل سنوات لم تكن تستوعب التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي، إذ صيغت في زمن كانت فيه المنصات الرقمية مجرد وسيلة للنشر، لا أصلًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.
أما اليوم، فقد أصبحت الحاجة ملحة إلى عقود أكثر دقة ووضوحًا، تحدد ملكية القنوات الرقمية، وحقوق إدارة المحتوى، وآليات استثمار البيانات، وطبيعة العلاقة بين الأطراف بعد انتهاء العقود، بما يحد من النزاعات ويواكب التحولات المتسارعة في الصناعة.
ولا تقل الأبعاد القانونية لهذه القضية أهمية عن أبعادها الاقتصادية، لأنها تمس مفهومًا حديثًا في الملكية الفكرية يتعلق بالحقوق الرقمية وإدارة الأصول الإلكترونية.
وفي هذا السياق، أكدت إليسا، عقب صدور أحد الأحكام القضائية في دبي، أن الحكم يمثل انتصارًا لحقوقها، قائلة: «انتصر الحق. هذا الحكم يؤكد أن اسمي وصوتي وأعمالي وهويتي الرقمية ليست مباحة لأحد».
وفي المقابل، تؤكد شركة «وتري» أن النزاع لم يُحسم بصورة نهائية، وأن بعض المسارات القضائية لا تزال قائمة، وهو ما يعكس تعقيد هذا النوع من القضايا في ظل تطور التشريعات الرقمية وتداخل الحقوق التعاقدية.
وتزداد أهمية هذا الملف مع الصعود المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد تتعامل مع الأعمال الفنية بوصفها محتوى للعرض فحسب، بل باعتبارها بيانات قابلة للتحليل، والتطوير، وإعادة التوظيف.
وبذلك، لم تعد الحقوق الرقمية مرتبطة بالحاضر وحده، بل أصبحت استثمارًا طويل الأجل، تتنامى قيمته كلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعددت وسائل استثمار المحتوى عبر المنصات الجديدة.
وبعيدًا عن تفاصيل النزاع، تمثل القضية فرصة لإعادة النظر في بنية الصناعات الإبداعية العربية، من خلال تحديث التشريعات بما يواكب التحول الرقمي، وصياغة عقود أكثر توازنًا، وتعزيز الوعي القانوني لدى الفنانين، والاستثمار في إدارة الأصول الرقمية بوصفها أحد أهم روافد الاقتصاد الثقافي.
فالصناعات الإبداعية لم تعد قطاعًا ثقافيًا فحسب، بل أصبحت أحد محركات الاقتصاد العالمي، بما توفره من فرص استثمارية، ووظائف نوعية، وقيمة مضافة تقوم على المعرفة والابتكار. قد ينتهي النزاع بحكم قضائي، لكن أثره لن يتوقف عند حدود المحكمة. فهو يضع الفنانين، وشركات الإنتاج، والمستثمرين، وصناع السياسات أمام تحدٍ أكبر يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الملكية في العصر الرقمي.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه القضية أن الثروة الحقيقية في صناعة الموسيقى لم تعد تكمن في الألبوم أو التسجيل الصوتي وحدهما، بل في الهوية الرقمية، والبيانات، والجمهور، والقدرة على إدارة هذه الأصول واستثمارها بكفاءة.
ولهذا، قد تُسجل قضية إليسا و«وتري» بوصفها واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تاريخ الصناعات الإبداعية العربية؛ لأنها لا تعيد تفسير نزاع قانوني فحسب، بل تعيد رسم الحدود الفاصلة بين الفن والاقتصاد والتقنية، في زمن أصبحت فيه الأصول الرقمية العملة الأكثر قيمة في الاقتصاد الثقافي العالمي.
- قضية إليسا و«وتري»... اختبار عربي لحقوق الملكية الرقمية