«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية عالميًا، وتتنامى التحديات المرتبطة بندرة المياه وجودتها واستدامتها، تتجه الأنظار إلى إحدى أبرز الجلسات المتخصصة في أسبوع المياه السعودي 2026، التي تناقش البعد القانوني والحقوقي للمياه بوصفها حقًا إنسانيًا أصيلًا، وتبحث آليات تحويل هذا الحق من إطارٍ تشريعي إلى التزامٍ مؤسسي قابلٍ للتنفيذ والمساءلة.
وتنظم الإدارة العامة للشؤون القانونية بوزارة البيئة والمياه والزراعة جلسةً بعنوان «الحق في المياه النظيفة: قراءة قانونية وحقوقية في التزامات الجهات»، ضمن فعاليات أسبوع المياه السعودي، الذي تستضيفه الوزارة خلال الفترة من 28 يونيو إلى 2 يوليو 2026، بمشاركة صناع القرار والخبراء والباحثين وممثلي القطاع الخاص والجهات المعنية بقطاع المياه من مختلف دول العالم.
ويهدف الأسبوع إلى تعزيز الأمن المائي، ودعم الإدارة المستدامة للموارد المائية، وتحفيز الابتكار والبحث العلمي، من خلال برنامج يضم أكثر من 97 جلسة حوارية وورشة عمل متخصصة، إلى جانب استضافة منتدى المياه العربي والاجتماع التشاوري الثاني للمنتدى العالمي للمياه 2027، فضلًا عن معرض متخصص يستعرض أحدث التقنيات والابتكارات في مجالات إدارة الموارد المائية، والتحلية، وإعادة الاستخدام، والرقمنة، إضافة إلى توقيع عددٍ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع جهات محلية ودولية؛ لتعزيز التعاون والاستثمار وتبادل الخبرات.
وفي خضم هذا الحراك، تبرز الجلسة القانونية بوصفها إحدى أبرز محطات الأسبوع، إذ تنقل النقاش من الجوانب الهندسية والتشغيلية لإدارة المياه إلى فضاء الحقوق والتشريعات والحوكمة، لتطرح سؤالًا محوريًا: كيف يمكن تحويل الحق في المياه النظيفة من مبدأٍ قانوني إلى التزامٍ مؤسسي يضمن التنفيذ الفاعل والمساءلة والشفافية؟
وتتبنى الجلسة مقاربةً تتجاوز النظر إلى المياه بوصفها خدمةً عامة، لتؤكد أنها حقٌ إنساني أصيل يرتبط بالحياة والصحة والكرامة، ويستوجب التزاماتٍ قانونية واضحة، وآلياتٍ رقابية فعّالة، ومنظومة حوكمة تضمن جودة المياه وعدالة الوصول إليها واستدامتها.
وتنطلق الجلسة من خمسة محاور رئيسية، تبدأ بتحليل الإطار القانوني الوطني والدولي المنظم للحق في المياه النظيفة، مرورًا باستعراض الالتزامات النظامية الواقعة على عاتق الجهات الحكومية والخدمية، وحوكمة المخاطر والرقابة على جودة المياه، وتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، وصولًا إلى مناقشة التحديات التنفيذية وصياغة توصيات عملية تسهم في ردم الفجوة بين التشريع والتطبيق.
ويشارك في الجلسة نخبة من المتخصصين، يمثل كل متحدثٍ منهم خبرةً نوعيةً في أحد المحاور الرئيسة التي تتناولها الجلسة، بما يعكس تكامل الأبعاد القانونية والحقوقية والفنية في إدارة الموارد المائية.
ويستعرض الدكتور محمد بن موسى العسيري، مدير عام الإدارة العامة للشؤون القانونية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، الإطار القانوني للحق في المياه، من خلال قراءة المرجعيات الوطنية والدولية التي تؤكد ارتباط المياه بالحق في الحياة والصحة، كما يسلط الضوء على أهمية تطوير المنظومة التشريعية بما يواكب المتغيرات البيئية والتنموية.
وتتناول الدكتورة سارة بنت عبدالعزيز الفيصل، عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان، الالتزامات الحقوقية والمؤسسية للجهات ذات العلاقة، مبينةً مسؤولياتها في ضمان توافر المياه وجودتها وإمكانية الوصول إليها وفق مبادئ العدالة والمساواة.
أما الدكتور عبدالحكيم بن علي التركي، مدير عام الإدارة العامة للمخاطر واستدامة المياه بوزارة البيئة والمياه والزراعة، فيناقش حوكمة المخاطر والرقابة على جودة المياه، مستعرضًا أهمية أنظمة الرصد المبكر، وآليات الوقاية من التلوث، وسرعة الاستجابة للمخاطر البيئية قبل تفاقمها.
ويقدم الدكتور يحيى بن سعيد العتيبي، خبير التوعية والمشاركة المجتمعية بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، وعضو هيئة التدريس بكلية علوم الأغذية والزراعة بجامعة الملك سعود، رؤيةً حول دور المجتمع في حماية الموارد المائية، وأهمية الشفافية وإتاحة المعلومات، وتعزيز حق المواطن في معرفة جودة المياه، باعتبار الشفافية والوصول إلى المعلومات ركيزتين أساسيتين من ركائز الحوكمة الرشيدة.
وتدير الجلسة الأستاذة بثينة بنت أحمد عوض، مدير إدارة حقوق الإنسان بالإدارة العامة للشؤون القانونية في وزارة البيئة والمياه والزراعة، حيث تقود النقاش حول التحديات التنفيذية والفجوة بين التشريعات والممارسات العملية، فيما يتولى الأستاذ أحمد بن فهد آل عبيد، رئيس الخدمات الإدارية بالإدارة العامة للشؤون القانونية، تنسيق الجوانب التنظيمية والدعم اللوجستي للجلسة.
ومن المتوقع أن تشهد الجلسة نقاشًا موسعًا حول التحول من الإدارة التقليدية للمياه إلى منظومة حوكمة ذكية تعتمد على البيانات وأنظمة الرصد اللحظي، بما يعزز كفاءة الرقابة، ويستبق المخاطر البيئية، ويمكّن الجهات المختصة من اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة وفاعلية.
كما تسلط الجلسة الضوء على أهمية إشراك المجتمع في حماية الموارد المائية، من خلال إتاحة المعلومات المتعلقة بجودة المياه، وتعزيز الشفافية، ودعم المبادرات المجتمعية، بما يجعل المواطن شريكًا في الرقابة، لا مجرد متلقٍ للخدمة.
وتأتي هذه الجلسة في وقت تواجه فيه منظومة المياه تحديات متزايدة، في مقدمتها ارتفاع الطلب على الموارد المائية، ومخاطر التلوث الصناعي والزراعي، وتفاوت جودة الخدمات بين المناطق، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز التكامل المؤسسي بين الجهات ذات العلاقة؛ وهي تحديات تجعل من تطوير الأطر القانونية والرقابية ضرورةً ملحةً لتعزيز الأمن المائي وضمان استدامة الموارد.
وتعتمد الجلسة على نموذجٍ حواري تفاعلي يتألف من ثلاث مراحل؛ تبدأ بنقاش مباشر مع المتحدثين، يعقبه استخلاص أبرز التحديات والتوصيات، ثم فتح باب الحوار مع الحضور، في خطوة تعكس توجهًا نحو توسيع دائرة المشاركة وإشراك المختصين والمهتمين في بلورة رؤى أكثر تكاملًا وفاعلية.
وبينما تتجه الأنظار إلى مستقبل إدارة الموارد المائية، تطرح هذه الجلسة سؤالًا يتجاوز حدود القانون إلى جوهر التنمية المستدامة: كيف يمكن أن يتحول الحق في المياه النظيفة من نصوصٍ وتشريعات إلى واقعٍ يضمن لكل فردٍ مياهًا آمنةً ونظيفة، ويجعل الشفافية والمساءلة والحوكمة ركائز أساسية في إدارة أحد أثمن الموارد وأكثرها ارتباطًا بالحياة؟