«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يكن البحر الأحمر يومًا مجرد حدودٍ جغرافية للمملكة، بل كان عبر قرون طويلة بوابتها إلى العالم. فمن موانئه عبر الحجاج إلى الديار المقدسة، ومن مياهه ازدهرت التجارة، وعلى سواحله تشكلت هوية مدنٍ عريقة، وفي مقدمتها جدة التي نسجت تاريخها من البحر، واستمدت منه مكانتها بوصفها نافذة الجزيرة العربية على العالم.
واليوم، تعود جدة إلى البحر، ولكن بلغة مختلفة؛ لغة الاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة. فالبحر لم يعد مجرد امتداد طبيعي يحيط بالمدينة، بل أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
في قلب هذا التحول، يبرز نادي جدة لليخوت والمارينا بوصفه أكثر من مرسى حديث أو وجهة ترفيهية، إذ يمثل مشروعًا يعكس فلسفة جديدة في استثمار الجغرافيا، وتحويل البحر الأحمر من واجهة ساحلية إلى منصة اقتصادية متكاملة، تجمع بين السياحة والضيافة والرياضة والثقافة والاستثمار في مشهد واحد.
فقد شهدت المدن الساحلية الكبرى في العالم تحولًا جذريًا في نظرتها إلى البحر؛ فلم يعد مجرد فضاء للملاحة أو التنزه، بل أصبح محركًا للتنمية الحضرية، ومنصة لجذب الاستثمارات، وصناعة للوجهات السياحية التي تستقطب ملايين الزوار سنويًا.
وتسير المملكة في الاتجاه ذاته، عبر سلسلة من المشاريع الكبرى على ساحل البحر الأحمر، من نيوم وأمالا ومشروع البحر الأحمر، وصولًا إلى تطوير الموانئ السياحية والرحلات البحرية، في إطار رؤية تسعى إلى بناء اقتصاد أزرق مستدام، يجعل من البحر أحد أهم روافد النمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة.
ومن هذا السياق، لا يمكن النظر إلى نادي جدة لليخوت باعتباره مشروعًا منفصلًا، بل باعتباره حلقة رئيسة في منظومة وطنية تعيد رسم العلاقة بين المملكة والبحر.
وعندما افتُتح النادي عام 2021، لم يكن الهدف إنشاء مرسى فاخر لليخوت فحسب، بل تأسيس أول ميناء سياحي دولي لليخوت على الساحل الغربي للمملكة، وأول ميناء رسمي لدخول اليخوت إلى السعودية، يقدم خدمات الجوازات والجمارك والتخليص البحري والصيانة والتزود بالوقود في موقع واحد، وفق أفضل الممارسات العالمية.
يمتد المشروع على مساحة تتجاوز 112 ألف متر مربع، ويضم مراسي قادرة على استقبال اليخوت العملاقة التي يصل طول بعضها إلى 120 مترًا، ليصبح واحدًا من أكبر مراسي اليخوت في المنطقة، ومحطة استراتيجية على أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تربط بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه منح المملكة بنية تحتية بحرية متخصصة قادرة على استقبال اليخوت الدولية، وتقديم خدمات متكاملة تعزز مكانة جدة على خارطة السياحة البحرية العالمية.
كما تكمن القيمة الحقيقية لنادي جدة لليخوت في أنه يجسد مفهوم الاقتصاد الأزرق، الذي يقوم على استثمار الموارد البحرية بصورة مستدامة لتحقيق النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وخلق فرص العمل.
فاليخت الذي يرسو في المارينا لا يجلب سائحًا فقط، بل يخلق سلسلة اقتصادية تبدأ من خدمات الإرساء والصيانة والتموين والوقود، وتمتد إلى الفنادق والمطاعم والمقاهي، وقطاع التجزئة، والنقل البحري، وتنظيم الفعاليــــات، والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى الصناعات البحرية والوظائف المرتبطة بها.
ومن هنا، لا تُقاس أهمية النادي بعدد الأرصفة أو حجم اليخوت التي يستقبلها، بل بما يخلقه من قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، وما يحفزه من استثمارات جديدة، وما يرسخه من مكانة للمملكة في سوق السياحة البحرية العالمية.
اللافت أن الصحافة الأجنبية لم تتعامل مع نادي جدة لليخوت بوصفه مشروعًا معماريًا، بل باعتباره مؤشرًا على تحول اقتصادي وسياحي واسع تشهده المملكة.
المجلات العالمية المتخصصة في صناعة اليخوت وصفت جدة بأنها محطة استراتيجية جديدة لليخوت العملاقة العابرة للبحر الأحمر، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة على أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.
كما اعتبرت تقارير دولية أن المشروع يمثل بداية لصناعة متكاملة لليخوت في السعودية، في ظل التطوير المتسارع للمرافئ السياحية، وارتفاع الاهتمام بالرحلات البحرية، والاستثمار في البنية التحتية البحرية.
وزاد حضور النادي عالميًا مع استضافة اليخوت العملاقة خلال سباقات الفورمولا 1، حيث تحولت المارينا إلى منصة بحرية تطل منها اليخوت على السباق، في مشهد استعاد صورة أشهر المرافئ العالمية، ورسخ مكانة جدة كوجهة تجمع بين الرياضة والسياحة والضيافة.
ورغم الصورة الفاخرة التي ارتبطت بالنادي، فإن رسالته تمتد إلى ما هو أبعد من الرفاهية.
فمن خلال أكاديمية الإبحار، والبطولات الرياضية، والأنشطة المجتمعية، يسهم النادي في إعادة إحياء الثقافة البحرية، وترسيخ مفهوم الإبحار بوصفه رياضة وأسلوب حياة، وإعداد جيل جديد يرتبط بالبحر من خلال المعرفة والممارسة، لا من خلال المشاهدة فقط.
كما يعيد المشروع إلى جدة جزءًا من ذاكرتها التاريخية، فالمدينة التي ازدهرت بالتجارة والملاحة عبر البحر الأحمر، تستعيد اليوم تلك العلاقة بصيغة معاصرة، تمزج بين الإرث الحضاري والابتكار والاستثمار.
ومع انطلاق فعاليات صيف جدة، يتحول نادي جدة لليخوت إلى واحدة من أكثر الوجهات حيوية على ساحل البحر الأحمر، مستقطبًا آلاف الزوار الباحثين عن تجربة بحرية متكاملة.
تتنوع الفعاليات بين الرحلات البحرية، وتجارب الإبحار، والرياضات المائية، والعروض البحرية، والأنشطة العائلية، والأسواق الموسمية، إلى جانب المطاعم والمقاهي المطلة على المارينا، والعروض الفنية والموسيقية التي تمنح المكان طابعًا ثقافيًا وترفيهيًا متجددًا.
ولا تقتصر أهمية هذه الفعاليات على الجانب الترفيهي، بل تشكل رافدًا اقتصاديًا مهمًا يسهم في تنشيط الحركة السياحية، وزيادة معدلات الإشغال الفندقي، وتحفيز الإنفاق في قطاعات الضيافة والتجزئة، وإطالة مدة إقامة الزوار، بما يعزز مكانة جدة وجهةً صيفيةً تنافس أبرز المدن الساحلية في المنطقة.
وربما يكون الإنجاز الأهم لنادي جدة لليخوت أنه غيّر طريقة التفكير في البحر قبل أن يغيّر شكل الواجهة البحرية.
فالبحر الأحمر لم يعد يُنظر إليه بوصفه حدًا طبيعيًا يجاور المدن، بل بوصفه موردًا اقتصاديًا، ومنصة للاستثمار، ومساحة للإبداع، وجسرًا يربط المملكة بالعالم من خلال السياحة والثقافة والرياضة.
ولذلك، فإن نادي جدة لليخوت لا يروي قصة مرسى حديث، بل يروي قصة وطن أعاد اكتشاف إحدى أهم ثرواته الطبيعية، وحوّلها إلى مشروع تنموي متكامل يعكس طموح المملكة في أن تكون لاعبًا رئيسًا في صناعة السياحة البحرية العالمية.
لقد تغيّر البحر في الوعي أكثر مما تغيّر في الجغرافيا. وما كان يُنظر إليه يومًا بوصفه أفقًا أزرق يجاور المدينة، أصبح اليوم أحد أهم مفاتيح مستقبلها. وبين هذين المشهدين، يقف نادي جدة لليخوت شاهدًا على مرحلة جديدة، تُقاس فيها قيمة البحر بما يصنعه من اقتصاد، وما يفتحه من فرص، وما يرسخه من حضور عالمي للمملكة، لا بمجرد اتساع مياهه أو طول سواحله.