منصور ماجد الذيابي
وفقاً لما نشرته صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 27 يونيو حزيران 2026 فإن مسودة «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل تتضمن تصوراً متكاملاً لإنهاء الصراع بين البلدين، ويقوم على ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية إلى حين استكمال الدولة اللبنانية بسط سيادتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بقيادة الجيش اللبناني، مقابل إطلاق مسار سياسي وأمني يقود إلى اتفاق سلام شامل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم حالياً بالإشراف على تشكيل فرق عمل لصياغة اتفاقية شاملة للسلام والأمن، وإنشاء مسارات دبلوماسية للتفاوض المباشر مع الالتزام بالمضي قدماً نحو تحقيق السلام الدائم بدءاً من مرحلة توقيع الاتفاق الإطاري الذي ينص على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ليتولى الجيش اللبناني بعد ذلك بسط نفوذه في المناطق التي يتواجد بها حزب الله التابع لإيران.
في تقديري أنه لو تم توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل قبل اندلاع الحرب بين إيران وأمريكا في فبراير - شباط الماضي أو حتى خلال مرحلة التفاوض لوقف الحرب فإن ايران لم تكن لتقبل بتوقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، إذ إن إيران كانت سترفض الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار في ظل الحراك التفاوضي لتوقيع لبنان وإسرائيل على اتفاق إطاري يفضي في النهاية إلى شل القدرات العسكرية لأهم الأذرع الإيرانية في سهل البقاع ومناطق الجنوب اللبناني المحاذية لحدود إسرائيل الشمالية، وفقاً لما نصت عليه بنود الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، مما يثير لدى النظام الإيراني المخاوف من أن يؤدي هذا الاتفاق الإطاري إلى تمزيق المخالب التي تدعم نفوذها في لبنان بعد أن فقدت إيران كثيراً من مخالبها حول مضيق هرمز، وكذلك مخالبها وأذرعها العسكرية في سوريا خلال الثورة السورية التي أعادت لسوريا سيادتها ونفوذها على كامل الأرض السورية.
لذلك أعتقد أن تلك المخاوف هي ما دفع إيران لتعود مجدّدا إلى مربّع خروقات وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن بعد التوقيع على مذكرة التفاهم في سويسرا بوساطة باكستانية, وذلك بإطلاقها المسيرات باتجاه مملكة البحرين ودولة الكويت خلال الأيام الماضية وتعطيلها لحرية الملاحة في مضيق هرمز في رسالة واضحة تريد منها إيران التراجع عن تعهداتها وفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين في محاولة منها للاستمرار بدعم حزب الله، ليبقى ذراعاً عسكرياً لها في الجنوب اللبناني بذريعة مواجهة إسرائيل من مواقع حزب الله في البلدات اللبنانية جنوب نهر الليطاني مثل بنت الجبل وعيترون ويارون ومارون وكفركلاّ وغيرها رغم فشل هذا الذراع في التصدي للهجمات الإسرائيلية التي تشنها إسرائيل على بلدات الجنوب المنكوب وأدت إلى تهجير آلاف اللبنانيين من قراهم وبلداتهم تحت وابل من القصف المدفعي والصاروخي.
يبدو وفقاً للمراقبين والمتابعين للشأن الدولي والإقليمي أن الكيان الإسرائيلي المحتل كان يعلم مسبقاً بأن اتفاق الإطار مع لبنان ضد حزب الله سوف ينسف مذكرة التفاهم الإيرانية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي اضطرار أمريكا لاحقاً لقصف المزيد من المواقع الإيرانية ولاسيما تلك التي توجد بها مخازن ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية على إسرائيل؛ مما يعني عسكرياً جعل الولايات المتحدة تتولى نيابة عن إسرائيل مهمة تدمير المنشآت النووية الإيرانية, وهي تلك المنشآت التي تعتقد إسرائيل بأن مرحلة التخصيب فيها قد تصل إلى ما يثير المخاوف الإسرائيلية بشأن تهديد مفاعل ديمونا النووي واحتلال المزيد من الأراضي العربية في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان والجولان.
وكان وزير الخارجية مارك روبيو أعلن مؤخراً أن بلاده تجدّد عزمها لتطوير قدرات الجيش اللبناني ليتمكن من بسط سيادته على كامل أراضي البلاد في إشارة لإيقاف تمدّد النفوذ الإيراني عبر حزب الله، الأمر الذي يوحي للمراقبين في ظل الأوضاع المضطربة حالياً بالمنطقة بتكرار الاتفاق الإطاري مع العراق لشل حركة الفصائل والمليشيات الشيعية المسلحة هناك والتي تتلقى تعليماتها مباشرة من طهران وتطلق المسيرات باتجاه الدول الخليجية لمساندة الحرس الثوري الإيراني في اعتداءاته ضد دول الخليج، رغم التزام كل هذه الدول بالحياد التام في حرب ايران مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وأخيراً أتساءل فيما ستبقى روسيا على الحياد التام كذلك أم أن موقفها من دول حلف شمال الأطلسي سيكون مماثلاً لموقف حلف الأطلسي الداعم لأوكرانيا في حربها التي دخلت عامها الخامس مع الاتحاد الروسي، ولاسيما وأن روسيا والصين في حال تقديم الدعم لإيران سيجعل الولايات المتحدة الأمريكية تغرق مجدداً في مستنقع الحروب كما غرقت سابقاً في حروبها مع فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها.