عبدالوهاب الفايز
هل يمكن الربط بين الأزمة البنيوية للرأسمالية الاحتكارية في أمريكا، وبين نتائج انتخابات نيويورك الأخيرة، واستمرار صعود تيار «الاشتراكية الديمقراطية» بقيادة شخصيات مثل زهران ممداني؟
هل هذه مجرد مصادفة سياسية، أم هو تجسيد حي لمحاولة تحويل «الأفكار النظرية» (الفابية/ الاسكندنافية) إلى «سياسات عملية» في معقل الرأسمالية العالمي.
هل هذه ثمره للحركة الاشتراكية الديمقراطية التي أطلقها السيناتور المستقل بيرني ساندرز الذي نافس بقوة في الانتخابات الرئاسية، وقدم لها في كتابه The Speech عام 2010؟
المغري بالحديث حول هذه التطورات هو نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك نهاية يونيو الماضي، التي شهدت تحولا نوعيا يعيد رسم خارطة النفوذ داخل الحزب، حيث سجل التيار التقدمي انتصارات لافتة في دوائر انتخابية كانت تعد تاريخيا معاقل للمؤسسة الحزبية التقليدية. لقد تمكن المرشحون المدعومون من عمدة نيويورك، زهران ممداني، من إزاحة نواب حاليين في الكونجرس.
المراقبون للمشهد الأمريكي يرون أن نتائج هذه الانتخابات تعكس تآكلا متسارعا لسطوة الحرس القديم، واستبدالها برؤية سياسية جديدة تركز على قضايا العدالة الاجتماعية، وانتقاد الدعم غير المشروط للسياسات الإسرائيلية، وتحدي نفوذ جماعات الضغط الكبرى. التغطيات الإخبارية وصفت النتائج بـ«الزلزال الانتخابي»، أي ليس مجرد صراع على مقاعد، بل اختبارا حقيقيا لمدى قدرة القاعدة الديمقراطية الشابة على فرض أجندتها الخاصة في مواجهة سردية النخب التقليدية.
تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذه النتائج في توقيتها الحساس، فهي قريبة من انتخابات الكونجرس في نوفمبر 2026، والحزب الديمقراطي أمامه وضع وجودي يتطلب الموازنة بين تطلعات الجناح التقدمي الصاعد وضرورة الحفاظ على وحدة الصف الانتخابي.
هذا الصعود ليس وليد المصادفة، بل هو استجابة مباشرة لأزمة بنيوية يعيشها الاقتصاد الأمريكي، حيث يشعر الجيل الشاب أن «رأسمالية السوق» بوضعها الحالي قد تخلت عن وعودها، مما دفعهم للبحث عن بدائل فكرية تتجاوز القوالب النيوليبرالية التقليدية. هذه الحركات تجد ضالتها اليوم في الروح الإصلاحية الاجتماعية.
وهذه الإصلاحية فيها ملامح العودة لإرث الاشتراكية الفابية والنموذج الاسكندنافي.
ظهرت الاشتراكية الفابية في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر، في سياق رأسمالي صناعي يعاني من فجوات اجتماعية حادة، لكنها اختارت مسارا مختلفا عن الاشتراكية الثورية.
راهن الفابيون على الإصلاح التدريجي، وعلى الدولة بوصفها أداة عقلانية لإعادة التوازن عبر السياسات العامة، لا عبر الصدام الطبقي. وهنا المفارقة في الحالة الأمريكية، تطلعات الشباب ليست (حنين أيديولوجي) كما كان الوضع أيام الحرب الباردة، بل هي تقدم كأدوات عقلانية لإعادة ضبط النظام الرأسمالي الذي بات أسيرا لاحتكار المنصات الرقمية وتراكم الثروة غير العادل.
الطروحات الاشتراكية هذه تكاد تتقاطع مع الواقع السياسي الجديد في نيويورك الذي يمثله ممداني. في حوار موسع له مع قناة CBS تحدث عن أجنده فابيه. يقول إننا نجحنا لأننا نتحدث عن الحلول للمشكلات التي تواجه سكان نيويورك، فالذي يعيش في أغنى مدينة أمريكية، وبلده هي أغنى بلد في العالم ثم ينظر إلى حاله، حيث لا يجد عملا ولا سكنا ولا يستطيع الوصول لبقية احتياجاته الأساسية، هذه المصاعب هي وقود التحول السياسي في المدينة. يقول نحن نتحدث عن الحلول بينما ظل خصومنا يتحدثون عن المشكلات. هو محق.
الناس تعرف مشكلاتها، ولكنها - طبقا للعقد الاجتماعي في مفهومه الغربي - تترك للقيادات السياسية اجتراح الحلول وتنفيذها.
القيادات السياسية التقليدية في مأزق. لقد لعبت تكنولوجيا التواصل الاجتماعي دور «المحرك الكامن» لهذا الحراك، حيث نجح الشباب في تفكيك احتكار النخب السياسية والاقتصادية للخطاب العام. فمن خلال الفضاء الرقمي، تحولت المعاناة الفردية للشباب من أزمة سكن أو ضائقة مالية إلى هوية جماعية مشتركة، إلى معنى محدد المعالم، ومكنتهم من تحديد (أجندة النقاش السياسي) بعيدا عن حراس البوابة التقليديين في وسائل الإعلام والمؤسسات الحزبية.
هذا التحرر الرقمي سمح بتوليد وعي سياسي مواز، يربط بين الأزمات العالمية – كالحروب والعدالة المناخية – وبين السياسات الاقتصادية المحلية، وهذا جعل التغيير مطلبا وجوديا لا يخاف من المواجهة، بل يراها ضرورة لاستعادة مفهوم العقد الاجتماعي المفقود.
في المقابل، النخب السياسية والإعلامية المحافظة تواجه هذا الصعود بمحاولات حثيثة للتشويه، عبر وسم الحركة بـ»اليسارية والاشتراكية» أو «التطرف». طبعا الهدف ترهيب الناخب المستقل وإعادة تأطير الصراع وفق الثنائيات القديمة.
وهذا الهجوم الاستباقي يكشف عن قلق حقيقي من فقدان السيطرة على السردية الوطنية، فالأجيال الشابة التي تتبنى هذا الخطاب قد تجاوزت مرحلة «الخوف من الأيديولوجيا»، لأنها ربما لا تفهمها!
تركيزها على النتائج الملموسة في حياتها من توفير رعاية صحية شاملة إلى كبح جماح الاحتكارات الرقمية التي باتت تهدد البنية الاجتماعية الأساسية لحياة المواطنين.
في نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام هذا التيار الصاعد هو كيفية تحويل هذا الزخم الرقمي والانتخابي إلى قوة تشريعية مستقرة لا تذوب في دهاليز «واشنطن».
فالمواجهة اليوم لم تعد تدور حول من يحكم البيت الأبيض أو الكونجرس فحسب، بل حول من يملك الحق في إعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
وإذا نجحت هذه الوجوه الجديدة في فرض رؤيتها، فإن التاريخ سيسجل أن نيويورك لم تكن مجرد ساحة لمعركة انتخابية عابرة، بل منطلق لإعادة صياغة العقد الاجتماعي الأمريكي، ليصبح أكثر عدالة وقدرة على مواجهة تحديات عصر الخوارزميات.
والتوجهات لإعادة صياغة العقد الاجتماعي تجد الروح الدافعة.
بعض الممارسات السياسية الحالية في أمريكا، وحتى في أوروبا، فيها ملامح العودة إلى «الفابية» بروح العصر: أي الإصلاح المؤسسي من الداخل. الفابية كانت تراهن على العقلانية والمؤسسات. ما يفعله ممداني وحلفاؤه اليوم في نيويورك هو فابية تحولية؛ فهم لا يدعون لثورة تطيح بالنظام وتؤمم المصانع (التي لم تعد موجودة بشكلها القديم)، بل يركزون على استعادة سلطة الدولة، واستخدام القوانين والتشريعات لفرض قواعد على (شركات العقارات الكبرى، تطبيقات التوصيل، شركات التقنية، وغيرها) والتي تهيمن على حياة سكان نيويورك.
هم ينشدون الإصلاح التشريعي التدريجي بدلا من الصدام. في برامجهم موضوعات مثل «حماية المستأجرين» و«توسيع النقل العام» و«دعم التعليم»، وهي أدوات فابية كلاسيكية لتعزيز قوة الطبقة العاملة داخل إطار النظام القائم، مع «تمكين المواطن داخل السوق» (النموذج الاسكندنافي). خطاب ممداني عن «الطبقة العاملة» يتقاطع بشكل مباشر مع النموذج الاسكندنافي. فهم لا يهاجمون مفهوم «السوق» لذاته، بل يهاجمون احتكارية السوق.
السياسات التي يطرحونها (مثل الرعاية الصحية الشاملة، الإسكان الميسر) تهدف إلى فك ارتباط «البقاء الإنساني» بـ»أرباح الشركات»، وهذا هو جوهر النموذج الاسكندنافي، أي: تحرير المواطن من عبودية الخوف من الفقر، ليكون فاعلا منتجا في المجتمع، أي التحول من الحماية إلى التمكين.
كذلك ينادون بمبدأ الضرائب العادلة. أي التركيز على فرض ضرائب على الثروات الرقمية والعقارية الكبرى لأجل تمويل «الأصول الاجتماعية»، أو رأس المال الاجتماعي، الذي هو أساس القوة في دول الشمال الأوروبي.
هذه التوجهات طبيعي أن تحدث الصدام مع «الرأسمالية الاحتكارية الجديدة» الأمريكية. وهذه هي الأسباب التي تجعل «المؤسسة في الدولة العميقة» (الجمهوريين وبعض الديمقراطيين التقليديين) يهاجمون هذا التيار بشراسة لأن هؤلاء المرشحين يضعون أصابعهم على الاحتكار غير المرئي.
في الشأن الأمريكي، الأيام حبلى بكل عجيبة. فيها الكثير من العبر والاعتبار. هل نرى عودة الاشتراكية في معقل الرأسمالية المعاصرة؟