«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يكن حضور سفير جمهورية كوريا لدى المملكة العربية السعودية في «سينماتك الخبر» مجرد مشاركة بروتوكولية في حفل استقبال نظمته جمعية السينما، بل حمل دلالة أعمق على التحول الذي تشهده السينما السعودية، بوصفها منصة للحوار الثقافي وبناء الشراكات الدولية. ففي الوقت الذي تمضي فيه المملكة نحو ترسيخ صناعاتها الإبداعية، تتجه الأنظار إلى تجارب عالمية رائدة، وفي مقدمتها التجربة الكورية، التي نجحت خلال العقود الأخيرة في تحويل خصوصيتها الثقافية إلى واحدة من أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرًا في العالم.
في هذا السياق، أقامت جمعية السينما، مساء السبت، حفل استقبال في «سينماتك الخبر» بحضور سفير جمهورية كوريا والوفد المرافق له، وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الحالي والسابق، إلى جانب ضيوف الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، في أمسية جمعت بين الاحتفاء بمنجزات الجمعية وتعزيز آفاق التعاون الثقافي والسينمائي بين المملكة وجمهورية كوريا.
جاءت الأمسية ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، وفي إطار برنامج «أضواء على السينما الكورية»، الذي يسلط الضوء على واحدة من أبرز التجارب السينمائية العالمية، ويمنح الجمهور السعودي فرصة للتعرف على ملامح مدرسة سينمائية استطاعت أن تنتقل من المحلية إلى العالمية، من دون أن تتخلى عن هويتها الثقافية.
ولم يقتصر الحفل على الكلمات الرسمية، بل بدأ بتجربة ثقافية تفاعلية أتاحت للضيوف ارتداء الزي الكوري التقليدي «الهانبوك»، والتعرف على أحد أبرز رموز الثقافة الكورية، قبل أن تتواصل الأمسية بمعزوفات موسيقية كورية جسدت روح التبادل الثقافي، وحولت الحفل إلى مساحة للتقارب بين ثقافتين تجمعهما الرغبة في الاستثمار في الصناعات الإبداعية.
وخلال الحفل، استعرض الرئيس التنفيذي لجمعية السينما هاني الملا أبرز المنجزات التي حققتها الجمعية خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن ما تحقق يمثل قاعدة تنطلق منها الجمعية نحو مرحلة جديدة من التطور المؤسسي، عبر برامج ومبادرات تستهدف دعم صناعة السينما، وتمكين صناع الأفلام، وتعزيز حضور الثقافة السينمائية في المجتمع.
كما عُرض فيلم «مسيرة ومنجز»، الذي وثّق أبرز المشاريع والشراكات التي نفذتها الجمعية خلال فترة مجلس الإدارة السابق، مستعرضًا ما تحقق في مجالات العروض السينمائية، والبرامج المهنية، والإصدارات المعرفية، والمبادرات النوعية التي أسهمت في دعم الحراك السينمائي السعودي.
من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة جمعية السينما الدكتور عبدالرحمن الغنام أن المرحلة المقبلة ستشهد استكمال البناء على هذه المنجزات، وتوسيع الشراكات المحلية والدولية، بما يعزز مكانة الجمعية بوصفها إحدى المؤسسات الداعمة لتطور القطاع السينمائي في المملكة.
وفي كلمته، أكد سفير جمهورية كوريا لدى المملكة أهمية العلاقات الثقافية بين البلدين، مشيرًا إلى أن السينما أصبحت من أكثر أدوات الحوار الحضاري تأثيرًا، لما تمتلكه من قدرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب.
يكتسب الحضور الكوري في مهرجان أفلام السعودية أهمية خاصة؛ إذ تُعد كوريا الجنوبية اليوم واحدة من أبرز القوى السينمائية في العالم، بعد أن نجحت في بناء صناعة متكاملة تجمع بين الدعم المؤسسي، والهوية الثقافية، والقدرة على المنافسة الدولية. وأسهمت أفلام كورية في إعادة رسم خريطة السينما العالمية، وفي مقدمتها فيلم «باراسايت» الذي حقق إنجازًا تاريخيًا بفوزه بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم، في سابقة غير مسبوقة لفيلم ناطق بغير الإنجليزية، كما يُعد مهرجان بوسان السينمائي الدولي أحد أهم المهرجانات السينمائية في آسيا ومنصة رئيسة لاكتشاف المواهب الجديدة.
لم يقتصر الحضور الكوري على المشاركة الرسمية، بل حظيت الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية باهتمام من وسائل ومؤسسات ثقافية كورية، التي تناولت استضافة برنامج «أضواء على السينما الكورية» بوصفه خطوة مهمة لتعزيز التبادل الثقافي، ووصفت المهرجان بأنه منصة واعدة للتعاون بين صناع الأفلام في البلدين، وفرصة لبحث مجالات التدريب والإنتاج المشترك وتبادل الخبرات.
كما أشارت التغطيات إلى أن التعاون بين مهرجان أفلام السعودية ومهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة يعكس انتقال العلاقات الثقافية بين المملكة وكوريا الجنوبية إلى مرحلة أكثر عمقًا، تقوم على بناء شراكات مؤسسية طويلة المدى، وليس الاكتفاء بالعروض السينمائية المتبادلة. ويرى مختصون أن التجربة الكورية تمثل نموذجًا ملهمًا للسينما السعودية، ليس بسبب نجاحها التجاري فحسب، بل لأنها استطاعت تحويل الثقافة المحلية إلى صناعة عالمية مؤثرة، وهو المسار الذي تعمل المملكة على ترسيخه ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، من خلال الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، ودعم المواهب الوطنية، وتعزيز حضور السينما السعودية على المنصات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، لم تعد الشراكات مع التجارب العالمية تقتصر على تبادل العروض السينمائية، بل أصبحت تشمل التدريب، ونقل المعرفة، والتطوير المهني، وفتح آفاق جديدة للإنتاج المشترك، بما يسهم في بناء منظومة سينمائية أكثر نضجًا واستدامة.
واختُتمت الأمسية بتكريم الوفد الكوري وأعضاء مجلس إدارة جمعية السينما الحالي والسابق، قبل أن يتبادل الضيوف الأحاديث في أجواء صاحبها تقديم الضيافة الكورية التقليدية.
لكن الرسالة الأبرز للأمسية بدت أبعد من مراسم التكريم والاحتفاء؛ إذ عكست كيف يمكن للسينما أن تتحول إلى لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن تصبح أداة لبناء الجسور بين الثقافات، ورافدًا من روافد القوة الناعمة. ومع تسارع نمو القطاع السينمائي السعودي، تبدو مثل هذه الشراكات خطوة مهمة نحو ترسيخ حضور المملكة في المشهد السينمائي العالمي، ليس بوصفها سوقًا للأفلام فحسب، بل شريك فاعل في صناعة الثقافة والإبداع.