«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليست الآثار مجرد شواهد صامتة على حضارات مضت، بل هي ذاكرة وطن تُقرأ، وهوية تُبنى، واقتصاد ثقافي تتشكل ملامحه مع كل اكتشاف جديد.
ومن هذا الفهم، جاءت الأمسية التي احتضنها نادي صوان التراث بمركز سرد الثقافي تحت عنوان «رؤية حول مستقبل العمل الميداني الأثري في المملكة»، لتؤكد أن الحوار حول الآثار لم يعد شأنًا أكاديميًا مغلقًا، بل أصبح جزءًا من النقاش الوطني حول الثقافة والتنمية والهوية.
واستضافت الأمسية أحد أبرز الأسماء السعودية في هذا المجال، أستاذ الآثار وعضو مجلس الشورى الأستاذ الدكتور علي إبراهيم الغبان، فيما أدارت الحوار الدكتورة تهاني المحمود، بحضور نوعي من الباحثين والمهتمين بالتراث والثقافة، في لقاء اتسم بعمقه العلمي وتفاعله الفكري.
يمثل الدكتور علي الغبان مرجعًا علميًا في آثار الجزيرة العربية؛ إذ ارتبط اسمه بعدد من أهم مشاريع التنقيب والتوثيق الأثري في المملكة، وأسهم في تطوير منظومة الآثار والمتاحف، والإشراف على برامج وطنية لحماية التراث الحضاري، كما كان حاضرًا في الجهود التي عززت حضور المواقع السعودية على خارطة التراث العالمي، الأمر الذي منح الأمسية قيمة معرفية استثنائية، جمعت بين الخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية.
تناول الغبان التحولات التي يشهدها العمل الأثري في المملكة، في ظل الدعم الكبير الذي يحظى به قطاع الثقافة والتراث، مشيرًا إلى أن التنقيب الحديث لم يعد يقتصر على استخراج اللقى الأثرية، بل أصبح علمًا متعدد التخصصات يعتمد على التقنيات الرقمية، والاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، بما يسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية وفق مناهج علمية معاصرة.
كما ناقشت الأمسية التحديات المرتبطة بتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز البحث العلمي، وبناء شراكات دولية تسهم في تطوير العمل الميداني، بما يواكب المكانة الحضارية للمملكة وما تختزنه أرضها من إرث إنساني يمتد لآلاف السنين.
وفي هذا السياق، يواصل مركز سرد الثقافي ترسيخ حضوره بوصفه منصة ثقافية تُعنى بإنتاج المعرفة وتحفيز الحوار حول القضايا الفكرية والتراثية، عبر استضافة شخصيات علمية مؤثرة وإتاحة مساحة للنقاش بين المختصين والجمهور، بما يعزز الوعي بقيمة التراث بوصفه ركيزة من ركائز الهوية الوطنية.
ولعل القيمة الأبرز لهذه الأمسية أنها نقلت الحديث عن الآثار من حدود الماضي إلى آفاق المستقبل، مؤكدة أن حماية المواقع الأثرية ليست غاية في ذاتها، وإنما استثمار في الذاكرة الوطنية، وفي صناعة المعرفة، وفي بناء اقتصاد ثقافي قادر على تحويل التاريخ إلى مورد تنموي مستدام، ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
فحين يُقرأ الأثر بوصفه وثيقةً للحضارة، لا حجرًا منسيًا، يصبح التنقيب فعلًا لصناعة المستقبل، وتتحول الثقافة إلى قوة ناعمة تُعيد تعريف علاقة المجتمع بتاريخ أرضه.