عندما يغادر الإنسان وطنه بحثاً عن فرصة عمل أو استقرار أو مستقبل أفضل، فإنه يحمل معه شيئاً لا يغادره أبداً؛ ذكريات الطفولة والصبا، والانتماء الذي يسكن القلب مهما ابتعدت المسافات، ولعل هذا ما يشعر به آلاف السوريين الذين وجدوا في المملكة العربية السعودية على مدى عقود بيتاً ثانياً وفرصة حقيقية للعمل والنجاح والإسهام في التنمية.
بالنسبة لي كرجل أعمال سوري أمضى سنوات طويلة في قطاع المقاولات بالمملكة، لم تكن التجربة مجرد عمل أو استثمار، بل كانت مدرسة متكاملة في الإدارة والانضباط والتخطيط وصناعة الإنجاز، لقد شهدنا جميعاً كيف استطاعت المملكة، بقيادة حكيمة ورؤية طموحة، أن تحقق نقلة تنموية استثنائية جعلتها نموذجاً عالمياً في إدارة المشاريع الكبرى، وتطوير البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، وطيلة هذه السنوات، تعلمنا هنا في المملكة أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الموارد وحدها، بل على وضوح الرؤية، وكفاءة الإدارة، واحترام الوقت، والإيمان بقدرة الإنسان على صناعة التغيير، وهي دروس أعتقد أن سوريا اليوم في أمسّ الحاجة إليها وهي تتطلع إلى مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء والتنمية.
إن ما يبعث على التفاؤل أن العلاقات السعودية السورية تشهد مرحلة إيجابية تعكس رغبة مشتركة في تعزيز التعاون وفتح آفاق جديدة للعمل الاقتصادي والاستثماري. ومن هنا فإن دور رجال الأعمال لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية، لأن التنمية في نهاية المطاف هي شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، واليوم، ومع ما تشهده سوريا من تحولات تفتح أبواب الأمل أمام أبنائها، يزداد شعور كثير من رجال الأعمال السوريين بالرغبة في العودة والمشاركة في بناء المستقبل. فالوطن الذي غادرناه في ظروف صعبة يستحق منا أن نعود إليه بما اكتسبناه من خبرات ومعارف وعلاقات، وأن نكون جزءاً من عملية التنمية التي يتطلع إليها الشعب السوري.
ولا أقصد بالعودة مجرد نقل رؤوس الأموال، بل نقل ثقافة العمل المؤسسي، والخبرات الفنية، وأفضل الممارسات التي تعلمناها من تجارب ناجحة في المنطقة، وفي مقدمتها التجربة السعودية. فإعادة الإعمار ليست بناء طرق وجسور ومبانٍ فقط، بل بناء بيئة اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار واستعادة الثقة بالمستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإنني أنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لتعزيز جسور التعاون بين الرياض ودمشق، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل على مستوى تبادل الخبرات وبناء الشراكات التي تحقق مصالح البلدين وتسهم في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة، لقد منحت المملكة الكثير لأبنائها ولمن عاشوا على أرضها من مختلف الجنسيات، وكانت بالنسبة للسوريين محطة نجاح واحتضان كريم، ولذلك فإن مشاعر الامتنان تجاهها ستظل حاضرة في وجدان كل من عاش هذه التجربة، أما سوريا فهي الوطن الذي يبقى دائماً في القلب، والذي نتطلع إلى أن نراه آمناً ومستقراً ومزدهراً، وما بين الرياض ودمشق، تبقى حكاية وفاء لا تنقطع، وتنمية نأمل أن تتسع آفاقها في السنوات المقبلة، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويصنع مستقبلاً أكثر ازدهاراً للمنطقة بأسرها.
** **
- خالد قاسم أبو بكر