ناصر زيدان التميمي
تمثِّل مرحلة «المشيب» تحولاً عميقاً في الوعي، حيث ينتقل الإنسان من صخب الشباب إلى مواجهة الذات ومكاشفتها. وكما جاء في بعض الأبيات الشعرية المتداولة التي لامست واقعنا: «هلت حياة المشيب وراح وقت الشباب، وأهل المثل قالوا: العاقل لنفسه خصيم». إنها محطة المحاكمة الداخلية، حيث يتجرد المرء من أعذار اندفاعه القديم، ليصبح محاسباً لضميره ونوازعه. في هذه المراجعة الروحية، تتهاوى أوهام القوة الزائفة وثقافة العصر التنافسية القاسية التي لخصها الشاعر بقوله: «غرتني (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب)»، ليتذكر الإنسان أن النجاة الحقيقية والخلود ليسا بمخالب القوة ودهاء المكر، بل بالقدوم إلى الخالق بـ(قلبٍ سليم) خالٍ من الضغائن ومظالم العباد.
يتجلَّى هذا النضج الإيماني في الانكسار والاعتراف بالتقصير: «يا رب تغفر ذنوبي قبل يوم الحساب/ أجحفت في حق نفسي وأنت عفوك عظيم». ليقف المرء في ختام رحلته متوازناً بين الخوف والرجاء؛ يفزع من العدل الإلهي: «أفز لا من ذكرت (أنك شديد العقاب)»، وتطمئن روحه بفيض الرحمة: «وأهدا إلى من عرفت (إنك غفور رحيم)».
إنها رسالة العمر الخالدة؛ أن نعيش الحياة بوعي العقلاء المحاسبين لأنفسهم، ونغادرها بنقاء قلوب الأتقياء السالمين من الأذى.