«الجزيرة» - وائل العتيبي:
يشهد قطاع الفنون الأدائية عالميًا توجهًا متزايدًا نحو دمج التأهيل الفني بالاهتمام بالصحة النفسية، في ظل تنامي الوعي بتأثير الضغوط المهنية على العاملين في المسرح والسينما، الأمر الذي أفرز برامج تدريبية تتجاوز تعليم تقنيات الأداء إلى تنمية الوعي الذاتي وتعزيز التوازن النفسي للممارسين.
وفي هذا السياق، أعلنت منصة «دراماتُرجيز» السعودية، التي تعرّف نفسها بأنها مبادرة إبداعية مستقلة تُعنى بالإنتاج المسرحي والسينمائي، وتطوير المشاريع الفنية، وتنظيم البرامج التدريبية، عن تنظيم إقامة فنية مغلقة بمدينة باد هارتسبورغ الألمانية خلال شهر أغسطس المقبل، تحت عنوان «الممثل الشامل».
وبحسب الجهة المنظمة، يهدف البرنامج إلى المزج بين التدريب الأكاديمي في فنون الأداء وبرامج الاستشفاء النفسي والجسدي، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن بناء الممثل لا يقتصر على اكتساب المهارات الفنية، بل يشمل أيضًا تنمية الوعي الذاتي والقدرة على إدارة الضغوط التي تفرضها الممارسة الإبداعية.
ويستند البرنامج، وفقًا لمنظميه، إلى فلسفة مستوحاة من ثيسبيس (Thespis)، الذي يُعد أول ممثل في التاريخ الإغريقي، وأول من استخدم الأقنعة وأحدث تحولًا في مفهوم الفنون الأدائية خلال القرن السادس قبل الميلاد، حين كان التمثيل يُنظر إليه بوصفه نوعًا من الخداع، قبل أن يرتبط لاحقًا بفكرة التطهير النفسي والتعبير عن التجربة الإنسانية.
ويقول المنتج والمخرج السينمائي فهمي فرحات، المدير الفني للبرنامج، إن فكرة المشروع جاءت بعد سنوات من البحث في العلاقة بين الإبداع والصحة النفسية، وتهدف إلى تقديم نموذج تدريبي يجمع بين مدارس التمثيل وأساليب التعافي النفسي، بما يسهم -وفق وصفه- في مساعدة الفنان على مواجهة الاحتراق النفسي الذي قد يرافق طبيعة العمل الإبداعي.
وتشير الجهة المنظمة إلى أن البرنامج يعتمد على منهجيات أكاديمية يشرف عليها مدربون وخبراء من السعودية وعدد من الدول، ويتضمن ورشًا في تقنيات الأداء التمثيلي، وتحليل الشخصيات، والعمل على المشاهد المركبة، إلى جانب جلسات اليوغا، والتاي تشي، والتأمل، وتقنيات الوعي الذهني، وإدارة الضغوط، وأنشطة حركية في الطبيعة، إضافة إلى جلسات للدعم النفسي.
كما يعتمد البرنامج على نظام المشاركة المحدودة، بهدف إتاحة مساحة أكبر للتدريب الفردي والتفاعل المباشر بين المشاركين والمدربين، ضمن بيئة تقوم -بحسب المنظمين- على الخصوصية والعزلة الإبداعية والعمل المكثف.
ومن بين المشاركين في تقديم البرنامج الكاتب والمخرج والناقد المسرحي السعودي مالك القلاف، الحاصل على درجة البكالوريوس في النقد والأدب المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، والذي قدم العديد من الورش المتخصصة في إعداد الممثل والكتابة والنقد المسرحي، إلى جانب أعمال في التأليف والإخراج، ومشاركات في لجان تحكيم مهرجانات مسرحية محلية وخليجية، وحصوله على عدد من الجوائز في مجالي التأليف والإخراج.
ويأتي الإعلان عن هذا البرنامج في وقت يشهد فيه قطاع التدريب الفني تنوعًا في النماذج المطروحة محليًا ودوليًا، وهو ما يفتح المجال أمام نقاشات أوسع حول فاعلية البرامج التي تجمع بين التدريب الفني والاستشفاء النفسي، وآليات قياس أثرها، ومدى اعتماد مناهجها، ودور المختصين في تقديم خدمات الدعم النفسي داخلها، في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالصحة النفسية للعاملين في الصناعات الإبداعية.
ويستند ما ورد في هذا التقرير إلى المعلومات التي أعلنتها الجهة المنظمة بشأن البرنامج ومكوناته، فيما يبقى تقييم التجربة ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة مرتبطًا بنتائج تطبيقها الفعلية، وآراء المشاركين، وتقييم المختصين بعد انتهاء البرنامج، التزامًا بالمعايير المهنية التي تقتضي الفصل بين نقل المعلومات والحكم على نتائجها.